هل أفل زمن القصّة القصيرة ؟!

20

رشاد أبو شاور

 

منذ بضعة أعوام وأنا أطرح السؤال على نفسي، لافتقادي لحضور القصّة القصيرة، وأنا واحد من قرائها، وكتابها، والمؤمنين بقدراتها إذا ما توفر لها من يملكون الموهبة، والخبرة، والشفافية، وبراعة التقاط جزئيات الحياة التي لا تلفت انتباه كثيرين، والتي يمكن بها التعبير عن عمق اللحظات الكاشفة في حياة البشر.

القصة القصيرة، ليست قصيرة التأثير، ولا هي قصيرة بعدد صفحاتها، ولكنها قصة اللحظة، ( اللحسة من الحياة)، كما كان يردد أحد كبار مؤسسي هذا الفن، الروسي ( تشيخوف)، والذي ما زلنا نقرأ قصصه القصيرة بمتعة، ودهشة، وإعجاب متجدد. هل ننسى قصته المذهلة (موت موظف)؟!

قد تكتب القصّة القصيرة في صفحات، أو صفحة، وأحيانا في نصف صفحة. وقد تألقت على صفحات الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية، وفي بعض الأحيان على صفحات مجلات تخصصت في الترويج للقصة القصيرة، وقد بات لها قراء كثيرون، يتابعونها، ويعرفون كتابها، وامتد حضورها إلى ما قبل سنوات، أي حتى تسيّد الرواية في المشهد الأدبي العربي، التي توصف بأنها ملحمة عصرنا، وبأنها الأكثر قدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، والسياسية، والحضارية، بل وطرح أسئلة الوجود، إذ الرواية ستكون سطحية إن خلت من الأسئلة الفلسفية المقلقة للإنسان، حتى لو لم تقدم إجابات، إذ يكفيها أنها تقدم لوعة الإنسان الذي سيبقى قلقا ما بقي على هذه الأرض، وفي هذا الكون الفسيح اللامتناهي، الذي لا نعرف عنه سوى القليل، رغم تقدم العلم.

يتوهم بعض الكتاب أن القصة القصيرة ليست سوى (مرحلة) في حياتهم، للتدرب على الكتابة، وأنها مرحلة مران تسبق الانتقال لكتابة الرواية، ومن ثم يمكن التخلّي عنها، لما هو أجل وأسمى وأبقى، وهذا برأيي هو عين الخطأ، فالقصة القصيرة فن يبقى، ويدوم تأثيره على حياة البشر، وبكل اللغات، فضلاً عن إنه يؤثر، وما يزال، رغم رحيل كل المبدعين الكبار ، في اللغات العالمية: تشيخوف الروسي، موباسان الفرنسي، أو. هنري الأمريكي، بيراندللو الإيطالي – اشتهر كمسرحي، سيما بمسرحيته : ست شخصيات تبحث عن مؤلف_ وهمنغواي الأمريكي، الذي لا أخفي إعجابي الشديد به روائيا، وقاصا.

من العرب لمع قصاصون أنجزوا أعمالاً قصصية، ربما تعيش طويلاً في مكتبتنا الأدبية العربية، وتقرأها الأجيال لتتعرف على همومنا، وتحولات حياتنا، وما كان يشغلنا: يوسف إدريس، يحي حقي، يوسف الشاروني من مصر، وسميرة عزام، وغسان كنفاني الفلسطينيان، و زكريا تامر، وياسين رفاعية، وغادة السمان، وسعيد حورانية، وعبد الله عبد..السوريين. ومن لبنان: الدكتور سهيل إدريس، وسعيد تقي الدين.أنا أمر على ذكر بعض مبدعينا العرب، مذكرا، لا دارسا، أو باحثا، لعلي أنعش الذاكرة، وأحفز النقاد على دراسة المنجز القصصي العربي الرائع، سواء في المشرق، أو المغرب.

قبل فترة أرسلت آخر قصة قصيرة أنجزتها، وهي بعنوان ( شهريار يرحل وحيدا)، بالبريد الإلكتروني، لصديقي الشاعر العربي الكبير حميد سعيد، فرّد علي بما يلي: “العزيز أبا الفهد .. محبتي:أسعدتني في هذا الصباح بقصتك الجميلة فلكالشكر، والله أنت تعيد بين الحين والحين حضور القصة القصيرة، التي أراهاأصعب أجناس الكتابة الأدبية”.

تخلو الصحف منذ سنوات من القصة القصيرة، والمجلات الأسبوعية ما عادت حريصة على تقديمها للقراء، والمجلاّت التي رعت القصّة والقصاصين، وعنيت بتقديم الدراسات النقدية، والمراجعات النقدية كما كانت تفعل مجلة ( الآداب) ذات المستوى الرفيع والتي كانت تنتشر على المستوى القومي مشرقا ومغربا.. والتي، للأسف، اضطرت للتوقف عن الصدور ورقيا.هل خلو الصحف والمجلات الأسبوعية، والدوريات، من القصص القصيرة يعود إلى افتقاد القصص ذات المستوى اللائق، ولانشغال المبدعين الشباب بكتابة الرواية، والتسابق على الجوائز، وسهولة البروز ونيل الشهرة، والعائد المالي في حال الفوز بجائزة ما، أو رواج العمل الروائي؟!

هل أثّرت الجوائز التي تمنح للرواية على القصة القصيرة سلبا؟! هل أفول مجلة ( الآداب)، وبعض المجلات المحلية الجادة، هو أحد أسباب ضمور حضور القصة القصيرة؟ و: هل سيتواصل هذا ( الغياب) إلى حد اندثار القصة القصيرة، وأفولها؟ ألا يمكن أن ( تعيش) القصة بجوار الرواية، دون تناقض، وتنافس؟!

أسئلة اطرحها على الروائيين الشباب، والنقاد، والقراء، وعلى القائمين على الجوائز التي تكافئ الشعراء والروائيين، وتتناسى مبدعي القصة القصيرة، الفن الصعب، والجميل…

لقد كتبت القصة القصيرة، والرواية، وما زلت أكتبهما، ولست أرى تناقضا بينهما، ولست اشترط على الروائي أن يكتب القصة القصيرة، والقاص أن يكتب الرواية، فثمة من جمع بينهما ببراعة: نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وغسان كنفاني، وفتحي غانم، وجبرا، ويحي حقي، وحنا مينة..والقائمة تطول.

ترى: هل غياب القصة القصيرة عابر، أم تراه أفول سيؤدي إلى زوال هذا النوع من الكتابة الأدبية التي لم تكن هامشية في أدبنا العربي المعاصر؟! هل ستثير كلمتي هذه شيئا من الحوار؟ آمل ذلك.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *