تَجْدِيْدُ الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ .. الوَثِيْقَةُ والمِيْثَاقُ

45

د. بليغ حمدي إسماعيل

تعتزم وزارة الأوقاف المصرية ، بل اعتزمت تحريا لدقة التوصيف إصدار واعتماد وثيقة لتجديد الخطاب الديني بالتأكيد في مصر ، ولاشك أن إصدار وثيقة بشأن التجديد جاء كنتيجة حتمية لواقعنا الراهن منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير ، ثم استقطاب واستلاب الفصائل السياسية الدينية للمجتمع من خلال القنوات الفضائية الموجهة والصحف والمواقع الإليكترونية التي انفجرت بغير رقابة أو عيني رقيب يتابع تلك الإصدارات ، ثم ثورة ثانية جاءت لتكشف الستار عن مطامح ومآرب جماعة حسن البنا والفصائل المتعاطفة معها ،بعد أن استطاعت الجماعة أن تمزج الدين بالسياسة ، دون عمق في التلقي أو بصيرة في التأويل وخصوصاً حينما حاول البعض من المنتمين إلى تنظيم حسن البنا جعل الرئيس المعزول محمد مرسي رجل دين بدلا من كونه مهندساً ووقتها تقلد منصبا سياسياً لا أكثر لكنها فتنة الكهنوت دوما تتحكم في السياسة وحرفة السلطان، وأخيراً ما نسمعه ونشاهده ونقرؤه أيضا من إحداثيات مجتمعية وفتاوى عجيبة وكتابات أعجب تتناول القضايا والموضوعات الدينية بصورة مدهشة وغريبة.

وحينما تقتنص اسماعنا كلمة الوثيقة فإن ثمة خواطر قد تعصف بالذهن إلى حد إمطار الأفكار والطروحات بشأن الكلمة ذاتها ، لأنني افترضت وغيري أن هناك شبه وثيقة علنية تحكم الخطاب الديني لاسيما في ظل مؤسسة عريقة جامعة هي الأزهر الشريف منارة العلم الديني في العالم رغم الهنات الصغيرة التي تعتري بعض العاملين في هذه المؤسسة والبيروقراطية العجيبة التي تسود طرقاتها الإدارية ويتحكم من خلال تلك البيروقراطية مجموعة من صغار الموظفين بالدولة والقابعين بالأزهر أو بالأوقاف المصرية وهم لا يعلمون شرف الانتساب لهاتين المؤسستين العريقتين .

لكن المهم هو وجود وثيقة تضمن تجديد الخطاب الديني لا تقييده ، لأننا بالفعل ومنذ عقود مبارك نعاني من فقر الاجتهاد الديني ، ولا أعتبر ما تم في سنة الجماعة من مساجلات فضائية أو تصريحات صحافية في جملة الاجتهاد لأن ذلك الفعل كان أقرب إلى التندر والسطحية أكثر منه إلى التفقه والتنوير . كما أن الاجتهاد لا يدخل في باب السفه الذي تناول المجتمع المصري مؤخرا من قصص وفتاوى ودعاوى مثل خلع الحجاب أو ارتدائه أو ممارسة الجنس قبل الزواج أو الزواج بالأطفال أو غير ذلك من عبث الأيام وأصحابها . فالوثيقة عليها أن تضمن مناخاً طيباً للاجتهاد لاسيما في العلوم الدينية وليس الدين ، وتأليف وتصنيف كتب تتناول قضايانا الفقهية المعاصرة بشئ من المقاربة التاريخية لا الاستناد على فتوى ملقاة ومتناثرة في كتب وصحائف الدولة الأيوبية أو عصر المماليك أو دولة أحمد بن طولون.

فالإصلاح الديني يرتبط بالاجتهاد الإيجابي المحمود الذي يشترط توافر مقومات ومعايير للمجتهد أهمها وأبرزها الكفاءة في حفظ القرآن الكريم وتفسيره وتأويله وفهم وفطنة مقاصده ومراميه ، وإتقان الحديث الشريف حفظاً ورواية واتصالاً بالسند وتواتره وأسباب روايته ، ومناخه الاجتماعي أيضاً الذي صدر فيه الحديث لحبيبنا وشفيعنا المصطفى ( صلى الله عليه وسلم) . وأخيرا الإلمام الكافي والشافي من علوم العربية والدين الإسلامي بالقدر الذي يسمح للمجتهد طرح فكره ومنتوجه الذهني .ومن ثم يكون الإصلاح فكراً ومنهاجاً وسلوكاً واجتهاداً.

وسأكرر ما قاله المفكر الديني الماتع الشيخ عبد المتعال الصعيدي ؛ ذلك المجدد المجهول والمتجاهل إعلامياً قصداً وعمداً رغم كونه من رواد إصلاح الفكر الديني وتجديده ، فلقد أشار منذ سنوات بعيدة إلى ضرورة وحتمية الإصلاح ومقومات الاجتهاد وضرورة تجديد الأزهر الشريف ، فلقد قال إن الإصلاح الحقيقي لا يصح أن يقف عند دراسة العلوم الدينية فحسب بل يجب أن يتعداها إلى فتح الأذهان المقفلة في الأزهر ، حتى تدخلها آثار التجديد ، وتخلع تلك الأبواب البالية ، وتعود إلى ما كانت عليه علوماً تفتح العقول ، وتربي المجددين ، والأئمة المبرزين .

وهو نفس المعنى الذي أشار إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حينما قال بالثورة الدينية ، ولسوء الفهم والتأويل اقتنص المتهوكون العبارة وراحوا يدشنوا احتفالات واحتفاءات حسب أهوائهم ومطامعهم السياسية ، رغم أن العبارة تتضمن ما ذكره المجدد الشيخ عبد المتعال الصعيدي ليس أكثر.

ولكي تضمن وزارة الأوقاف نجاح وثيقتها لتجديد الخطاب الديني عليها الأخذ بحتمية إعادة التأهيل والتكوين حتى لكبار رجال الدين وهذا ليس بعيب أو منقصة ، بل إن التأهيل والتدريب المستمر يتيح للعالم المجدد الإحاطة بطبيعة العصر الراهن وبمراجعة العلوم والفتاوى والقضايا الدينية التي طرحت قديما ويعاد إنتاجها مؤخراً. والحقيقة أنني سأظل مقتنعاً جد الاقتناع عن دراسة وقراءة عميقة وتأمل بأن الشيخ الإمام محمد عبده مجدد عصره هو صاحب بذرة تجديد الخطاب الديني ، ولازلت أكثر اندهاشا وتعجباً كيف لهذا الشيخ الأزهري في بيئته آنذاك يحمل فكرا عميقا متجددا يصلح لزماننا ومكاننا لاسيما وأن اجتهاده كان شديد الصله بواقع مجتمعه لا منجذباً لعصور بائدة.

وأيضاً إذا استهدفت وزارة الأوقاف تجديد الخطاب الديني وتطويره بما يتلاءم ومقتضيات عصرنا ومواجهة خطر التطرف الديني ومغبة التيارات الأصولية غير الواعية كتنظيم الدولة الإسلامية داعش وغيرها من الفصائل والجماعات الراديكالية فعليا أن تدرك أن مشكلة الخطاب الديني لا تتمثل في الكتب الدينية والمصادر المعرفية التي يستقي منها الخطباء والأئمة معارفهم، بل تتمثل فيهم أنفسهم، فلا تزال عقدة الثقة هي المحك الرئيس لاختيار الإمام والخطيب بل والمعلم الأزهري أيضاً، وسط تجاهل مستمر ومعلن لمعايير أخرى كالكفاءة والخبرة المستدامة غير المنقطعة في الدراسة وحضور المؤتمرات والندوات.

علاوة على ضرورة الأخذ بمعايير المعرفة المستمرة والخبرة العلمية الناجحة لمن تؤول إليه مهمة الخطابة والإمامة، لاسيما هذه الآونة التي نرى فيها الفتنة يقظة ولم تعد نائمة كما كانت، وفي الوقت ذاته الذي نشاهد فيه بعض أباطرة الفضائيات الفراغية المهووسة وهم يدغدغون مشاعر وأعصاب البسطاء من المشاهدين، وبالمناسبة نحمد الله أن مصر تكاد تفرغ من المبدعين والمثقفين ورجال الفكر المستنير وإلا لشاهدنا رجلاً موتوراً يقدم على اغتيال مبدع أو مفكر أو أديب مثلما حدث للأديب العالمي نجيب محفوظ ، أو كما جرى للمفكر فرج فودة وغيرهما كثير.

وأقولها صادقاً لأولئك المهمومين بتجديد الخطاب الديني وإعداد وثيقة لتطويره وتنقيته من شوائبه العارضة: قبل أن تجلسوا على مقاعد الكتابة والإعداد للوثيقة لابد وأن تعوا بأنكم مقدمون على معارك ضارية لابد من حسمها سريعا، أبرزها الخطاب الديني الذي تردى وصار سلاحاً ووسيلة تستخدم في غير مكانها وغرضها الصحيح، وأن التجديد أيضا لابد وأن يشتمل على مواجهة صورة الإسلام في الإعلام الغربي، الذي بات يصور ويجسد المسلم في المقالات والدراسات العلمية وحتى في الأفلام السنيمائية على أنه بدوي جاهل مسعور.

وربما أنا مع ضرورة وجود وثيقة ملزمة لتجديد الخطاب الديني في الوقت الراهن لعوامل عدة أهمها ما رصدته بحضور كثيف وطاغٍ في الخطاب الديني المعاصر ، فهناك نبرة استعلائية غريبة ، رغم أن الخطاب الديني هو رسالة وقيمة في الأساس ، ولكن ما سمعته وقرأته من كتابات أكد لدى حقيقة هي أن الخطاب الديني الراهن والذي يتسيده بعض المتطرفين و الذي بات تائهاً بين التجديد والتطوير والتعديل يسعى إلى تأسيس درجات متعددة من القمعية والسلطوية، فصاحب الخطاب والنص لايزال يضفي على نفسه صفة القاضي والمشرع والمفتي وصاحب الأمر والنهي والقمع على المتلقي البسيط حتى يحول خطاب الديني إلى سلطة قمعية.

ووسط عشرات القنوات الفضائية الفراغية وعشرات الكتب التي من المفترض أنها دينية تجد معظمها تحمل عقاباً أكثر مما تحمل حلولاً وعلاجات لمشكلات عصرنا المضطرب ، ومن المدهش أن سمة العقاب هذه لها كيمياء وحالة من الرضا بنفس وقلب وعقل المستمع والقارئ، فهو لا يريد أن يرهق نفسه بالتفكير والتأويل والتحليل لما يطالعه أو يسمعه من معلومات دينية ، لذا فالمستمع ذو الآذان الكبيرة ليس بحاجة ماسة إلى بدائل يختار من بينها أكثر مما هو بحاجة إلى وجود قوة بشرية رادعة له .

إن الخطاب الديني بحاجة إلى عملية تثوير جذرية ، وكلما قرأت الآية القرآنية ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) أدركت على الفور أننا أمامنا طريق طويل جداً لتغيير النبرة الاستعلائية للخطاب الديني ، وأن قبول المناقشة وتقدير التنوع الثقافي دون استعلاء أو استكبار لهو أمر جلل بلا ريب .

وأن خطاباً مثل هذا لا يحمل سمة التسامح وتقدير التنوع الثقافي والفكري دون قمع أو قهر لا يؤدي يوماً ما إلى بناء أو نهضة ، بل سيسفر عن أجساد تمشي على الأرض لا هدف لها في الحياة أو منها. فكيف تنهض هذه الأمة ولا يزال بعض الدعاة والأئمة يدغدغون مشاعرنا وأعصابنا بقصص تاريخية وحكايات مبتدعة لا أصل لها في كتب التاريخ الرصينة والموثوقة ؟.

ولعل القائمين على إعداد وثيقة لتجديد الخطاب الديني أن يهتموا بقدر ليس بالقليل من وقتهم وجهدهم وجهادهم الذهني والفكري وأن يدركوا ما صنعه الاستعمار الأجنبي والتوافد الخارجي الثقافي على مصر والدول العربية الشقيقة ، فلقد عمل الاستعمار على تربية الأجيال المسلمة في الأقطار الإسلامية على إبعادهم عن الإسلام، وسلخه من مفهومه الصحيح كدين شامل يعني بحياة المسلم وآخرته. وعلى هذا الأساس وضعوا سياسة التربية والتعليم في أقطار المسلمين بواسطة المستشرقين، ومن حذا حذوهم من أهل الأقطار الإسلامية نفسها، وقد رسموا سياستهم على أسس منها إضعاف الروح الدينية لدى الطلاب، والاهتمام بالمواد المدنية وتدريسها بمعزل عن الدراسات الدينية، مع العلم بأن الإسلام يدرس كل العلوم على أساس قاعدته الكلية، سواء كانت العلوم متعلقة بالمسائل الضرورية أو الحاجية. كما عمل على إشعار الطلاب منذ نعومة أظفارهم باستعلاء اللغة الأجنبية .

كما أن الأمة الإسلامية تواجه حملات التشويه والتزييف لديننا الحنيف، ومهمة هذه الحملات هدم المجتمع الإسلامي، وإقامة مجتمعات على شاكلة المجتمعات الأوروبية، وكذلك ما قام به زعماء الفتنة والتشويه من إدعاءات كاذبة مضلة بدءاً من أن القرآن الكريم من تأليف سلطة بشرية ، وأن ما جاء به لا يزيد عن كونه نوعاً من الحيل.

إن دراسات المستشرقين حول القرآن الكريم لا تصدر عن العلم، بل تنحرف نتائجه عنه؛ لأنها عن هوى واعتقاد حاقد عن الإسلام، أو غير قادر عن فهمه. إن المستشرقين ينتمون إلى نوعين لا ثالث لهما؛ فالمستشرق إما أن يكون علمانياً مادياً لا يؤمن بالغيب، وإما أن يكون يهودياً لا يؤمن بصدق الرسالة الإسلامية التي أعقبت رسالته.

ويعمل الاستشراق على الحيلولة بين الشعوب وبين الإسلام ، وذلك بحجب محاسن الإسلام وتشويه صورته؛ لإقناع الناس بعدم صلاحية الإسلام. هذا بالإضافة إلى فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، والعمل على هدم الكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي، وذلك للاستسلام أمام المستعمر وثقافته وفكره.

ومما لاشك فيه ـ ومن خلال استقراء التاريخ والواقع المشاهد ـ أن أساليب الكيد والحقد للإسلام قد تنوعت، وكثرت محاولات استئصاله عبر التاريخ قديماً وحديثاً، ولكن الحمد لله تبوء جميعها بالفشل في النهاية، لأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ هذا الدين وأهله وأتباعه.

ومن الإدراك الواعي لهذه الأمة أن العودة إلى سياج الإسلام عقيدة ونظاماً هي مسألة مهمة ، وأن الواجب الأكبر والسبيل الوحيد للإنقاذ من حياة الشتات هو أن نفهم الإسلام فهماً واعياً مشرفاً صائباً ونقياً وذلك بالتصديق الجازم بعقيدته. واستخدام الفرد المسلم الحقائق والمعلومات التي يستقيها من القرآن الكريم والسنة النبوية، ليربط بها الواقع فيصبح مفكراً إسلامياً قادراً على إيجاد الحلول الصحيحة لكافة المشكلات.

وإذا كنا نعني بالتحديات التي تواجه الإسلام المعاصر ، فينبغي أن نحذر المسلمين من النشاطات المعادية للإسلام والتي تتقنع في مؤتمرات ومؤسسات بأسماء مختلفة مثل نوادي الحياة ، أو منتديات الصداقة. ولقد قدم الإسلام الحنيف نموذجاً أخلاقياً ثابتاً لمواجهة مثل هذه التحديات.

إن من التحديات التي تواجه تجديد الخطاب الديني الغلو في التكفير الذي نال واصطاد الكثيرين ، ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير والتفسيق هو ” الورطة” ، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : ( لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). أما الآن فأصبح التكفير وشبهات التفسيق أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاحاً خفياً يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم بصورة محمومة ومهووسة .واستسهال رمي البعض بالفسق والخروج عن مقاصد الشريعة الإسلامية يذكرني بقصة طريفة ، فقد جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن دم البعوضة ، وعن حرمة قتل الذباب، فقال له: ممن أنت؟ قال : من أهل العراق، قال: ها انظروا إلى هذا ، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله.

إن أخطر ما نواجهه حالياً من ينصب نفسه باعتباره صاحب ولاية حاكمية، أوتي العلم وفصل الخطاب، وقد عاب القرآن الكريم هؤلاء، مثل قوله تعالى : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) .




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *