ابن عزرا.. كنيس يهودي شاهد على التسامح الديني في مصر

معبد ابن عزرا اليهودي.. من أقدم المعابد اليهودية الموجودة في مصر، حيث يقع في نهاية منطقة الكنائس القبطية في مصر القديمة، ويرجع تاريخ بناء المعبد إلى ما بين القرن السادس والتاسع.

يمثل المعبد في هذا المكان بالتحديد الحلقة الكاملة لفكرة تجمع الأديان في مصر، فبجانبه جامع عمرو بن العاص، وهو أول مسجد بني في مصر، ومجموعة كنائس العذراء. والغريب أن المعبد في البداية كان عبارة عن كنيسة تسمى “كنيسة الشماعين”، وباعتها الكنيسة الأرثوذكسية للطائفة اليهودية عندما مرت بضائقة مالية، وهو ما يؤكد فكرة التسامح الديني التي عاشتها مصر في مختلف العصور.

ويعود اسم المعبد لاسم الرجل الذي اشتراه من المسيحيين في مصر خلال هذه الفترة، وهو أحد كبار أحبار اليهود في مصر خلال هذه الفترة بسبب تراكم الضرائب على الكنيسة، ومن المفارقة أن المصريين يطلقون على هذا المعبد اليهودي اسم معبد الفلسطينيين أو معبد الشوام.

ومنذ سنوات طويلة خصص المعبد للزيارة فقط، حيث إنه لا تحدث به أية طقوس للعبادة، وطريقة رسم الزخارف الموجودة داخل المعبد هي نفسها التي توجد في الكنائس القريبة منه، لكن يختلف عنهم في “أطلس موسى”، وهو الصندوق الذي صنعته أم موسى ووضعته فيه لكي تلقيه في النيل، والصندوق عليه مجموعة كتابات يُقال إنها الكلمات التي دعى بها موسى ربه فوق جبل الطور الشهير في شبه جزيرة سيناء المصرية.

ومن الآثار التي يضمها المعبد “البيما”، وهي تشبه المنبر الإسلامي، وهو عبارة عن بلكونة صغيرة وتحتها مجموعة سلالم للوصول إليها، وآخرها سور طويل عليه نسخة من التوراة القديمة، وفي واجهة المعبد الهيكل، وهو مكون من 3 أجزاء: الجزء الأوسط هو الأكبر، وأمامه شمعدانان عليهم ست شمعات، حيث يمثل الشمعدان أيام الأسبوع، وهو عبارة عن 3 شمعات على اليمين و3 شمعات على الشمال، ونجمة داوود في الوسط تمثل يوم السبت أو يوم الإجازة عند اليهود.

اكتشف عام 1896 مخطوطات في المعبد غاية في الأهمية، منها مخطوطة اسمها جينيساه “Jineesah”، وكان اليهود قد كتبوا هذا المخطوط باللغة العربية، ولكن كتبوا الحروف باللغة العبرية، وكانت هذه العادة منتشرة في القرون الوسطى، وقد كتبوا عن السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية لهم تحت الحكم العربي الإسلامي في مصر، كذلك العلاقة بينهم وبين فئات أخرى من اليهود في مصر وبلاد أخرى.

اكتشفت أيضا في المعبد مخطوطات تحتوي على عدد نادر من الترجمات القديمة من التوراة وأجزاء مختلفة من العهد القديم اعتبرت ثروة هامة لأنها أضيفت إلى باقي مخطوطات الكتاب المقدس التي اكتشفت وكتبت قبل الإسلام، وعلى الرغم من كون المعبد من أقدم المعابد في مصر إلا أن هناك 17 أثرا آخرين لليهود، 14 منها في القاهرة مع معبدي الياهو هانبي، ويبلغ عدد المعابد اليهودية المسجلة أثريا 9 معابد، وغير المسجلة 9 أيضا.

النبي إرميا

وترجع أهمية المعبد التاريخية والدينية في رواية اليهود، إلى أن هذه البقعة هي مكان كان موسى قد استخدمه للصلاة بعد أن أصاب البلاد الطاعون وفقا للقصة المعروفة حول هذا الصدد، كما تروي قصص أخرى أن النبي إيليا (إلياهو) كان قد تجلى للمصلين هناك أكثر من مرة، وأن المعبد يحوي رفات النبي إرميا، بالإضافة إلى قصة مخطوطة التناخ القديمة المعروفة الآن بمجلد حلب.

ومن جانبها، تقول هبة عماد، مرشدة سياحية: المعبد كان سببا في العديد من الجدل الذي شهدته الساحة الأثرية المصرية خلال السنوات الأخيرة، خاصة خلال فترة الفوضى الأمنية التي شهدتها مصر في أعقاب الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، مشيرة إلى أن هذا الجدل وقع عندما نشرت بعض المواقع على شبكة الإنترنت خبر سرقة وثائق سرية كانت محفوظة داخل المعبد، واكتشفتها هيئة الآثار عام 1890، وقيل: إن بعض العصابات الإسرائيلية هي صاحبة خطة السرقة، وأن هذا الموضوع هو ما يبرر إجراءات الأمن المشددة حول المعبد، وعلى عكس كل منطقة مجمع الأديان.

وتؤكد هبة أنه لا يمكن إبادة أو إهمال الجنيزا التي تعد من أهم معالم المعبد وفقاً للديانة اليهودية، لأنها مجموعة الوثائق والأوراق التي تضمّ بين ثناياها اسم الله، إنما يتم تخزينها في غرفة معزولة في المعبد للأجيال، لأنه يجب بعد كل مدة جمع هذه الوثائق ودفنها في المقابر، ويتم من خلالها تأريخ أوضاع اليهود المعيشية لقرون طويلة، وأحوال مجتمعهم وتقسم لمصدرين مصادر وثائقية ومصادر أدبية.

ويؤكد د. عادل منصور، الخبير الأثري، أن معبد ابن عزرا يضم غرفاً صغيرة كانت مخصصة لتخزين القرابين التي يتم توزيعها على اليهود أثناء الاحتفالات والمناسبات اليهودية، ولكنها تعد بطريقة تختلف عن الكنيسة، فضلا عن غرفة أخرى تجاورها كان يستخدمها خدام المعبد للمبيت أثناء الاعتناء به.

وتابع: يحتوي المعبد أيضا على عدد من الغرف الصغيرة التي تحتوي على بعض متعلقات المعبد، كما أن بعض النساء تستخدم إحداها لوضع متعلقاتهم فيها أثناء إقامة الشعائر والاحتفالات اليهودية.

ويشير د. منصور إلى أن المعبد يضم بين ثناياه مكتبة تحتوي على بعض الكتب التي تحكي تاريخ المعبد وتاريخ الطائفة اليهودية في مصر، وبعض المخطوطات التي كتبت باللغة العربية واللغة العبرية، يعود تاريخها إلى ما قبل القرون الوسطى، وقد كتب في هذا النوع من المخطوطات عن السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية لليهود تحت الحكم العربي الإسلامي في مصر.

ويؤكد على تناول بعض هذه المخطوطات لعلاقة اليهود بالفئات الأخرى في مصر ودول أخرى، وطريقة تعامل اليهود مع العرب المسلمين، وهذه المخطوطات أثناء الحكم الفاطمي، بخلاف المخطوطات التي كتبت باللغة الآرامية التي توضح تطور اللغة التي كتبت بها هذه المخطوطات، حتى عصر الخليفة الحاكم بأمر الله.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *