خان الخليلي وسوق الصفافير

أحرص كلما زرت القاهرة، حتى لو كان مجرد مرور عابر(ترانزيت) أن أمضي الى خان الخليلي، ذلك المكان المعطر برائحة التاريخ، والذي لم تمسه التغيرات الحديثة التي تطرأ على الكثير من المدن والمناطق التاريخية العربية، هناك أجدني بين عبق الماضي، الفرعونيات بكل تفاصيلها، والتاريخ القريب أيضاً، التحف النادرة، الأصلية والمستنسخة، ذهبيات وفضيات ونحاسيات وأعمال يدوية من الخشب والقماش والنحاس والبرديات المرسومة عليها صور الأسلاف الفراعنة، والملابس الشعبية والمفارش المطرزة بالورود أو بصورة من صور شخصيات ذاك الزمن والمباخر ورائحة البخور التي تعطرك أينما ذهبت في زوايا السوق ومسالكه الضيقة، ولابد وأنت تدخل السوق من المضي الى أشهر زقاق فيه، زقاق المدق، الذي أخذ شهرته حينما أحياه نجيب محفوظ وأقامه من سباته في واحدة من أجمل رواياته التي أبقت على العنوان(زقاق المدق) والذي تحول الى فيلم سينمائي شهير.

ويمكنك الجلوس بعد جولة تعب في مقهى الفيشاوي، الذي يعود تاريخه الى العام 1797، بمقاعده الخشبية ومراياه الكبيرة بشكل لافت، ودخان سجائر الزبائن من المصريين والعرب والأجانب.. ثم تخرج وفي يديك مجموعة هدايا تُذكّر بأنك مررت في هذا المكان التاريخي، وتظل في ذاكرتك ابتسامات الباعة المصريين العاشقين لتراثهم.

في طفولتي البعيدة أدهشني سوق الصفافير، كنت رفقة أمي ذات سنة، أبهرتني بضائعه من النحاسيات، وسمفونية الطرق التي لا تكف أثناء تجوالك فيه، ثم توالت زياراتي للسوق عبر السنوات، عرفت الكثير من خباياه وتاريخه، واقتنيت العديد من بضاعته.. سوق بغدادي يعود تاريخه الى عصر الخلافة العباسية، اعتمد على النحاس مصدراً، واستخدام النحاس كما تقول المدونات يعود الى أجدادنا السومريين فهم أول من استخدمه، وظل مزدهراً مئات السنين، لكل تحفة فيه حكاية..الطرق على النحاس مهنة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد وأداموا زخم السوق الذي كان يؤمه السياح من مختلف بلدان العالم، سوق يزدان بالأدوات المنزلية النحاسية التي كان يستخدمها البغداديون في اشتغالاتهم اليومية ومناسبات الأفراح والأتراح، أباريق، ملاعق، فوانيس زيتية، قباب ومنائر، دِلال وفناجين، كاسات، إطارات صور، لوحات مطروق عليها آيات قرآنية، تحف لمعالم تاريخية، أسد بابل والزقورة والملوية والمدرسة المستنصرية والحضر والثور المجنّح والكثير من كنوز التراث الذي نفخر به.

يؤلمني أن هذا السوق بدأ منذ سنوات يفقد بريقه وزواره وصار الإهمال من نصيبه فلم يلتفت إليه مسؤول ويعيد إليه الحياة قبل أن يندثر تماماً.. لقد زحفت عليه بضائع لا صلة للسوق بها، بضائع أغلبها صينية رخيصة ليس فيها ذوق، وتحولت الكثير من المحال الى مجرد محال تبيع الأقمشة بعد أن هجر المهنة أولئك الحرفيون المهرة بسبب الظروف المادية الصعبة التي جعلتهم يبحثون عن مهن أخرى.

حين تخرج من راهن السوق تشعر بالأسى مصحوباً بوجوه حزينة لمن تبقى من صنّاعه، لا أحد يلتفت الى تراثنا، وتبدو الاستغاثات مثل صرخات في طبل أجوف، وعلى الرغم من ذلك نذكّر إن نفعت الذكرى، فلعل يداً حريصة على تراثنا الزاخر تطرق على باب هذا السوق لتعيد طرْق النحاس وتعيد له الروح قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مثل كثير من المهن والصناعات التي اندثرت ولم يعد من أحد يتذكرها.

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *