سور الصين العظيم.. جار القمر

الأحلام جزءٌ من التجربة الإنسانيّة.. هي كذلك بالنسبة لزيارة غير مخطط لها للصين، هي كذلك بالنسبة لرحلةٍ إلى سورها العظيم. وتحديداً إلى جزء صغير منه في منطقة بادالينغ في ضواحي بكين. هناك، تتذكّر أملاً قديماً بملأ الفراغ بكلماتٍ مناسبة، لإكمال رحلة حول العالم، لتصبح جوالاً متمرساً.. الميل كان دائماً يتجه غرباً. ولكن اليقين كان يقول بأن هناك ما ينقص.

توقظك المترجمة من غفوتك في الحافلة التي تقلّك إلى بادالينغ. «تذكّروا أنَّ الزعيم ماو تسي تونغ كان يقول: إنَّه حتى تكون رجلاً قويّاً، عليك أن تصعد السور». هناك صعود؟ دقّات القلب لا تحتمل أيّ إضافة.

في النقطة التي تبدأ منها صعود السور المتمدد في أحضان جبال متناثرة، ترغب في الاستماع إلى المزيد من صوت فيروز. لكن وجوه السيّاح من حولك، تشي بأمرٍ ما. ترفع عن أذنيك «جار القمر»، لتسمع لهاثاً وصراخاً من كل حدب وصوب.. «إنه لا ينتهي!».

في زحمة الصاعدين، يخطف أحدهم بصرك. أحدهم يلملم ما يرمى على الأرض ويضعه في كيس، ويستبسل إلى الأعلى. تراه تطوّع لمثل هذه المشقّة؟ يشبه الرهبان. تلقي نظرة إلى الأسفل، فترى درجات السور غير متوازية. لعل من كانوا يبنونه أصابهم التعب.. مات الآلاف ودفنوا هنا، وهم يشيدون سوراً يلف ممالك ودويلات ليحميها من الغزاة. لكنّه لم يفعل. يروى أنَّ عظمة السور، لم تمنع عنه الأعداء الذين تمكّنوا من رشوة الحرّاس، ليكتشف الحكّام أنّهم أضاعوا وقتاً في تحصين الحجر، وأغفلوا بناء الإنسان. تعود إلى الواقع لتتساءل: من وضع أوّل حجر لسور يبلغ آلاف الكيلومترات؟ ما اسمه؟ هل تذكره الكتب؟

وُضع أوّل حجر للسور في القرن السابع قبل الميلاد، في عهد «الخريف والربيع»، واستمرت عمليّة البناء طيلة أكثر من ألفي عام، كانت شاهدةً على الفوضى والصراعات بين الممالك الإقطاعية الحاكمة، وحروب التوحيد، والامبراطوريات الصينية المتعاقبة، وعلى انصهار الحضارات وذكاء الإنسان واستماتته للبقاء، وعلى عبقرية يدوية وفن هندسي من وحي الفطرة.. وصولاً إلى «الحلم الصيني».

في عهد «الولايات المتحاربة» (475 -221 قبل الميلاد)، خضعت الصين لسلطات أدّت إلى تمزيق البلاد إلى ولايات عدّة اضطرت لبناء الجدران حولها. نتيجة لذلك، تم بناء أكثر من أربعة آلاف كيلومتر من الأسوار المتقطعة. أمّا حصيلة المعارك، فتمخّضت عن حكم ولاية «كين»، بعد اضمحلال عدد الولايات من 120 إلى سبع.

وحدت ولاية «كين» البلاد في ما أصبح امبراطوريّة الصين الأولى بين العامين 221 و205 قبل الميلاد. وتقول الأسطورة إنَّ أول امبراطور للصين، كين شي هوانغ، حلم أنّه صعد إلى القمر فوق سجادة سحرية، ولما نظر إلى الأسفل، وجد أن أرضه غير محمية، فاستيقظ وأمر بتشييد ما كان أول أسس سور الصين العظيم، وتطلّب بناؤه تسع سنوات ومئات آلاف العمال، وتمّ خصوصاً بتوحيد أسوار الولايات المتفرقة، وهدم أخرى أصبحت من دون جدوى بعد التوحيد.

ترافقت عمليّة بناء السور في عهد كين بمأساة بشرية بعد تسخير الفلاحين للعمل، بالإضافة إلى جلب الأسرى للمشاركة في البناء. ويروى أنّه من بين كل ثلاثة رجال كان يذهب واحد للمشاركة في البناء، ومن بين كل عشرة كان ثلاثة فقط يعودون أحياء، أما الباقون فترمى جثثهم ضمن الجدار، ما مثل حكاية إنسانية مؤلمة أرختها العديد من قصائد الأدب الصيني.

استمرت عمليّة إطالة السور في عهد امبراطوريّة هان الذهبية (220 ـ 206 قبل الميلاد)، وامبراطوريات أخرى، لكنّها لم تمنع المغول من دخول البلاد، ولا جنكيز خان من هدم أجزاء كبيرة من السور، الذي لم يذكره لهذا السبب الرحالة في ذلك الوقت. ويعود الفضل في بناء السور الحقيقي إلى عهد مينغ (1368 ـ 1644 بعد الميلاد)، ومنه جزء بادالينغ في ضواحي بكين.. إلى أن جاء الـ «مانشوس». وافتتح السور للزائرين في العام 1957، وانضم إلى عجائب الدنيا في العام 1987، وزاره رؤساء دول ومفكرون، أبرزهم الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في العام 1972، حين طبَّعت جمهورية الصين الشعبية علاقاتها مع الولايات المتحدة.

يعدّ سور الصين الجدار الأطول في العالم الذي بنته يد الإنسان، ونظاماً دفاعيّاً متكاملاً مؤلفاً من العديد من الثكنات والحصون وأبراج المراقبة، وطريقاً للحرير والتجارة التي عززت امبراطوريات التاريخ الصيني. ويحتضن السور تضاريس متنوعة، من الصحاري والوديان والمرتفعات، كما يعبر أنهاراً ومروجا.

تختلف المواد المستخدمة في بناء السور تبعاً للمنطقة التي بُني فيها، ففي الصحاري كان يُبنى من بعض الأحجار المحليّة وغير المقاومة للعوامل الجويّة. أمّا في المناطق الترابيّة، فبني من التراب القاسي والطوب غير المحروق. وفي أفضل أجزائه التي بنيت في عهد «مينغ»، استخدمت الحجارة والصخور الصلبة. وعمدت هذه الأسرة إلى بناء خط دفاعها الأول أيضاً بشكل متعرج، خوفاً من الشياطين التي كانوا يعتقدون أنّها تمشي بخطوط مستقيمة!

من أساطير سور الصين الحديثة، أنّه بالإمكان رؤيته بالعين المجردة من على سطح القمر. لكن وكالة «ناسا» كذبت الشائعة، لتعلن محطة الفضاء الدوليّة أنّه بالإمكان رؤيته بالعين المجردة من الفضاء فقط، وفي أوقات مناخية معينة، نظراً إلى أنَّ لونه يمتزج بلون الأرض المحيطة به. لكن سور «تشانغ تشنغ» يبقى صديق القمر، ومرادف أحلام الإنسانيّة، وتطلعاتها على مدى قرون. هل تراه يسأل اليوم صديقه لماذا يبني الإنسان بيد.. ويهدم بالأخرى؟

داليا قانصو

السفير

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *