شواهد على الخراب تروي أوجاعها على طريق اللجوء

سوريا

ما أصعب أن تُجبر على ترك البيت الذي ولدت وتربيت فيه، ما أصعب أن ترى حوائطه وأحلامك التي زرعتها ببراءة الطفولة وهمة الرجال بين جدرانه تنهار أمامك، وأنت بلا إرادة، فقط تجد نفسك مجرد ضحية لا حول لك ولا قوة.

وما أصعب أن تجد أحداً من أهلك أو ذويك أو قريباً لك أو جاراً أو حتى إنساناً لا تعرفه ملقى على قارعة الطريق جثة هامدة، وأن تجده ينزف وهو يصارع الموت ولا تستطيع إنقاذه أو حتى تقديم أي مساعدة له، لأنك ببساطة ستنال مصيره نفسه برصاص قناص لا يعرف الحق ولا العدل ولا الإنصاف، ولا حتى ماذا تعني الإنسانية.

هكذا سطر الكاتب الصحفي علاء البدري مقدمة كتابه 100 ساعة على الحدود الذي صدر أخيرا عن دار ليليت للنشر والتوزيع، ويرصد فيه معاناة اللاجئين السوريين المشردين على الحدود الأردنية السورية خلال رحلته إلى مدينة المفرق التي وصفها في صفحات كتابه بأنها مدينة الحزن والألم.

ويسجل البدري في كتابه عدداً من الحالات الإنسانية التي واجهت الكثير من المآسي والمواجع، حيث يضم الكتاب تسع روايات حقيقية دوّنها بأسلوب السرد القصصي السهل؛ منها فاطمة، ودارين، وأبو عبيده، وسارة، وناقل الموتى، وهي حالات يرويها أصحابها بعد رحلة هروب لم تقل في خطورتها عن معاناتهم في الداخل السوري من تشرد وقتل وتهجير.

ويقول البدري: “بعد أن سمعت وشاهدت، وكتبت حكايات مفزعة وموجعة رواها أصحابها من ملاجئهم أجدني أمام شواهد من الخراب والأطلال لكيانات إنسانية هزمت وتمزقت إرباً وأشلاءً، وأجد أيضاً السؤال المنطقي الموجع يدق بقوة فوق رؤوسنا جميعاً دون إجابة تشفي غليلنا وتشعرنا بأننا بشر، “وماذا بعد … ؟!”

ويشير في خاتمته التي عنونها بـ”ماذا بعد.. ؟!” إلى أن المأساة السورية قد دخلت عامها الخامس مخلفة وراءها ألف حكاية وآلاف القصص المفجعة، لا تختلف في وجعها عن مآسي أبطال أطلالنا التي نقف عندها في هذا الكتاب، فهناك ضحايا آخرون لم نعرفهم، وهناك أكثر من مائتي وعشرة آلاف قتيل، وتم تشريد ما لا يقل عن 12 مليون شخص في الداخل والخارج، كما حرمت المأساة ما يزيد على مليوني طفل من أبسط حقوقهم التعليمية والصحية، وذلك منذ اندلاع الأزمة في مارس/آذار 2011 وحتى فبراير/شباط 2015.

ويضيف “لم يكن أي مراقب للمشهد السوري عندما اندلعت الاحتجاجات ضد نظام الرئيس بشار الأسد في عام 2011 أن يتخيل وقوع كارثة بمثل هذا الحجم من الفظاعة، فقد حصدت أرواح آلاف الأبرياء، ودمرت البنية التحتية وأغلب المدن والمباني التاريخية، إضافة إلى تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد العربي العتيق، بفعل النظام وأطراف عدة أخرى لم تتورع عن القيام بكافة أعمال العنف بما فيها ممارسات الإبادة الجماعية والاختطاف والتعذيب”.

ويوضح البدري “أن سوريا أصبحت مرتعاً للجماعات الإرهابية التي أتى أفرادها من شتى بقاع الأرض، وتحولت بمرور الوقت إلى حلبة صراع مصالح تتقاسمه دول وأجهزة مخابرات لا تولي أي اهتمام لقضايا البشر، وتداخلت ملامح الصورة في بعضها البعض ولم يعد في الإمكان معرفة من يناضل من أجل الحق ومن يصارع من أجل أجندات خاصة”.

ويختتم البدري كتابه قائلا “وأخيراً.. ينبئني بكل أسف وحزن سؤال وماذا بعد..؟! أن حضارتنا الإنسانية المزعومة والناقصة مجرد مظاهر ومكاسب مادية ﻻ عمق وﻻ حكمة وﻻ محبة فيها، فتعساً وسحقاً أيها العالم القميء.. وعفواً أيتها الحرية وأيها السلام المفقود، عفواً إنسانيتنا الضائعة”.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *