” فيدر” عرض مسرحي بولندي في باريس

index

تشهد خشبة الأوديون في باريس العرض المسرحي “فيدر” (الاسم بصيغة الجمعPhedres ) للمخرج البولندي كريستوف وارلوفسكي، الذي يستند إلى نصوص (فيدر) لكل من سارة كاين، ووجدي معوض، وج. م. كويتز، العرض الذي يستمر لثلاثة ساعات من بطولة الممثلة الشهيرة إيزابيل أوبيرت، الذي يستحضر فيه وارلوفسكي تاريخ اللذة وعلاقتها مع الجسد والآخر، وارتباطها بالمقدس عبر مرجعيات النصوص التي يستخدمها، لنرى أنفسنا أمام صيغة بصيرة- شبقيّة، تتداخل فيها الفضاءات، لتغدو الرغبة وعلاقات اللمس المحرّك الأساسي لفضاء اللعب.

الاشتغال المسرحي على فيدر يستدعي الوقوف على تاريخ مسرحي طويل من النصوص والعروض، إلى جانب الدراسات النقدية والأدبية، ففيدر من أشهر الشخصيات المسرحية التي كان دأب كل مسرحي معالجتها بصفها تعكس موضوعة الحب والرغبة المحرّمة، وفي عرضه يؤسس وارلوفسكي لفيدر بوصفها على حواف الانهيار لذةً، إذ يحوي اسم العرض باللغة الفرنسية حرف الجمع مضافاً إلى اسم فيدر، وكأن المخرج يعمل على فيدر كمفهوم، كتحولات ضمن تاريخ الثقافة مستنداً إلى النصوص المعاصرة، حيث اللقاء بين فيدر وهيبوليت ممكن، وأشد مما نراه عند راسين، ففيدر وارلوفسكي تَعبر الهنا والهناك، حاضراً و ماضياً، كزئبقٍ يشتعل شبقاً في كل ثانية.

يبدأ العرض بأغنية الأطلال لأم كلثوم تؤديها نورا كريف بتوزيع معاصر، ترافقها راقصة على شفا العري تَحضر أغلب العرض، وكأنها معادل عن الشبق بصورته النقيّة، خارج الخطاب والشخوص، بوصفه تلك الشعلة التي تحضر في كل الأزمنة، ففيدر بتحولاتها تجعل جسدها كتلة مُؤغلمة تسعى للذّة، فالإلهي (أفروديت) يحلّ في البشري (فيدر) لتضيق خلايا الجسد عن الاحتمال لتصل حدّ النزيف، تحوّلات فيدر في العرض كلها تنتهي بالانهيار، فنهايتها محتّمة، فهي تارة الأم التي تخاف العار، وتارة صاحبة الجاه التي تحاول أن تُصلح ابنها العاق، ونهاية هي الكاتبة التي تبحث في تاريخ إيروس، لكن الجسد يُشلّ لشدة الأغلمة الحاضرة دوماً ولو اختفت ظاهرياً.

إذ تتحول هذه الرغبة إلى عنف جسدي، لنرى المفهومين (اللذة-العنف) يحلّان في ذات اللحظة أحياناً، كذلك نتلمس العنف الذي يمارسه الأب الغائب في الخارج، الذي ينعكس في علاقة السِفاح في الداخل، فغياب الأب في الخارج يعادله التدخل الإلهي لتحقيق الموازنة في الداخل، وفيدر هي الضحية، إذ نراها تنتحر في نهاية كل مشهد.

يتداخل الإلهي مع البشري في عرض وارلوفسكي، أفروديت تتحول لفيدر وبالعكس، الإِلهَة الشبقة تتقمص الجسد البشري لتذيبه شهوة في هيبوليت، ابن الزوجة، المحرّم، لنرى أفردويت تسيل شهوة، ليتحوّل الأمر لما يشبه اللعنة التي تتغير أعراضها كلما تغيرت فضاءات المتعة، والمنصة التي أشبه بحمّام، تعطي انطباعاً دائماً أن ابنة الشمس، فيدر، تسعى دوما لإطفاء شهوة المحرّم التي تحرقها.

قنوات الرغبة

حضور هيبوليت وغيابه في العرض متباين، فهو تارة بعيد عن فيدر، لا يمكنها مسّه، أو على النقيض، يشاركها السرير في مشهد شبقي يحصل أمامنا ينتهي بمقتل هيبوليت، بعد هنرى هيبوليت ككلب، يتلقى أوامره من أفروديت التي تقمّصت فيدر، وأحياناً تلعب دور الراوي على لسان فيدر التي تشلّ حينها ولا تستطيع الحركة، هيبوليت يتغير أيضاً بحسب مرجعية النص، هو الفنان والمصور الرومانسي، أو الزير اللعوب عديم الأخلاق والانتماء الذي يضيع سمعة الأسرة بمجونه ويُتهم باغتصاب أمه.

علاقة اللمس/ الأغلمة بين فيدر وهيبوليت تتجاوز الصيغة التي يحويها النص الأصلي ليوربيدسو حتى نص راسين، فالفعل الجنسي يحصل، لكنه ليس محور العرض، فالأغلمة الحاصلة لدى فيدر مردّها إلهي، لا بشري، لكن هيبوليت في كل المشاهد بشري، وحتى حين يتهم باغتصاب فيدر، نراه يسخر من الاعتراف الديني، في حين أن أفروديت/الإلهي تحضر وتراقب فيدر، وفي المشهد الأخير، حيث يتحول العرض فجأة إلى ما يشبه الحوار بين صحفي و كاتبة مشهورة تلعب دورها أوبيرت، نرى الأخيرة تحكي عن الحضور الإلهي والديانة المسيحية والبحث عن إيروس، لكنها ما تلبث أن تنهار، لتعود الراقصة للحضور، وكأن الرغبة لا تعرف حدود الجغرافيا أو النصوص، هي مسّ ينتبج خلايا الجسد إثره حدّ السقوط.

…………

كاتب من سوريا

 

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *