مقبرة ” كوم الشقافة ” .. كنوز منسية في الإسكندرية يكتشفها حمار

1

خاص  – وكالة الصحافة العربية

تزخر مدينة الإسكندرية الملقبة بعروس البحر المتوسط بالعديد من الآثار العظيمة، خاصة تلك التي تعود إلى العصر الروماني، حيث توجد أغلب مقابر هذا العصر هناك، ومن أشهر آثار الإسكندرية عمود السواري وقلعة قايتباي ومنارة الإسكندرية، وغيرها من الآثار التي تظل شامخة بمعمارها وطرازها في ذلك البلد، اليوم سنتحدث عن مقبرة كوم الشقافة، تلك المقبرة التي تقع جنوب حي مينا البصل، وتعتبر من أهم مقابر المدينة.

سميت مقابر كوم الشقافة بهذا الاسم لشهرتها في صناعة الأواني الفخارية التي صنعت بقايا وكسارات كونت ما يشبه التل “الكوم”، واسم كوم الشقافة هو الاسم العربي الذي أطلق على المنطقة إحياء للاسم اليوناني القديم “لوكيوس كراميكوس”، وهو الاسم الذي عرفت به عند الرومان، وذلك إحياء للاسم الفرعوني القديم ra-gadit، كما هو مذكور في نقش هيروغليفي من عهد بطليموس الأول.

وتعتبر هذه المقبرة من أهم مقابر الإسكندرية نظرا لاتساعها وكثرة زخارفها وتعقيد تخطيطها، كما أنها توضح الفرق بين الفن الفرعوني والفن الروماني، من خلال روعة المعمار الجنائزي السكندري.

مقابر سرية

ترجع قصة اكتشاف مقابر كوم الشقافة إلى حمار كان يجر عربة وقع في هذه الحفرة بالتحديد حتى تم اكتشاف مقابر كوم الشقافة عام 1900، بنيت المقابر في الأصل لعائلة واحدة ثرية تجمع بين دين المصريين القدماء واليونايين والرومان، وعددهم أكثر من 300 مومياء، وقد نحتت المقبرة في الصخر تحت الأرض وتتميز بالنقوش البارزة، وهي فريدة في نوعها من حيث التصميم والنقوش التي فيها امتزاج الفن المصري بالفن اليوناني الروماني.

وتعتبر المقبرة من مقابر “الكاتاكومب” التي انتشرت في القرون الثلاثة الأولى الميلادية في إيطاليا وبعض الجزر اليونانية، وهو نوع يقتصر على دفن الموتى من المسيحيين الذين كانوا يعانون من الاضطهاد الروماني لهم، فكانت هذه المقابر تحفر تحت الأرض على هيئة شوارع ممتدة لأميال طويلة تحفها المقابر على الجانبين، وكانت هذه الكاتاكومب تحفر بشكل سريع وفي الخفاء خوفا من الحكام.

بدأت قصة الحفر والكشف في هذه المنطقة عام 1892، وتم اكتشاف فتحة في سقف الجبانة عن طريق الصدفة عام 1900، والجبانة من نوع الكاتاكومب، وهي الجبانة الرئيسية في منطقة كوم الشقافة، وحملت هذا الاسم نظراً للتشابه في التخطيط بينها وبين مقابر الكاتا كومب المسيحية في روما، وهو الاسم الذي يطلق على المقابر المحفورة تحت سطح الأرض.

تبدأ المقبرة بسلم حلزوني موصل للطوابق الثلاث، والسلم درجاته السفلى أكثر ارتفاعا، ثم يأخذ ارتفاع الدرجات في التناقص تدريجيا حتى يكاد ينعدم قرب سطح الأرض، هذا السلم يوجد حول بئر ضخمة، حيث كانت أجساد الموتى تتدلى بالحبال إلى مكان الدفن، وينتهي السلم عند الدور الأول ببهو على جانبيه توجد فجوتان بشكل نصف دائري على شكل المحراب، ومقعد منحوت في الصخر لجلوس الزوار، ويؤدي البهو إلى حجرة دائرية يتصل بها بئر ضخمة، وقد عثر في قاع هذه البئر على 5 رؤوس حجرية، وهي معروضة حاليا بالمتحف اليوناني الروماني.

وعلى يسار الحجرة الدائرية توجد صالة الاحتفالات، حيث كان يجتمع أقارب المتوفى وأصدقاؤه في مناسبات وأعياد معينة، والحجرة عبارة عن ثلاث أرائك ضخمة كانت توضع عليها وسائل يضجع عليها الزوار وقت تناولهم الطعام حسب العادة الرومانية، وعلى الجانب الآخر من الصالة المستديرة حجرات للدفن بها فتحات كانت توضع فيها جثث الموتى أو فجوات بها أوان تحوي الرماد المتخلف من حرق الجثث، أما الفجوات المنتشرة على الحوائط فكانت توضع بها مسارح للإضاءة.

أما الدور الثاني فيتكون من بهو وحجرة دائرية، وللبهو واجهة رومانية في جزئها العلوي، إذ أنها مقوسة الشكل وتعلوها زخرفة يونانية على شكل أسنان، ثم يليها من أسفل إفريز مصري به قرص الشمس المجنح بين صقرين، وتستند هذه الواجهة على عمودين بتيجانهما من المطرز المصري، وفي كل حائط جانبي توجد فتحة يوجد بها شخص يمثل على يمين الميت وعلى اليسار زوجته، والتمثالان فيما عدا الرأسين قد نحتا طبقا لقواعد الفن المصري.

وعلى جانبي حجرة الدفن نجد زخرفة مختلطة بين الفن الفرعوني واليوناني من شأنهما رد الشر بعيدا عن المقبرة، فنجد درع الإلهة أثينا وعليها رأس ميدوزا التي كانت حسب أساطير اليونان تحول من يراها إلى حجر، وبأسفل الدرع ثعبان يجلس فوق معبد ويرتدي تاج الوجهين البحري والقبلي.

أما حجرة الدفن الرئيسية فتتكون من ثلاثة توابيت عليها زخارف يونانية، والحائط الرئيسي فوق التابوت الأوسط يمثل عملية التحنيط المصرية، أما على الحائط الأيمن والأيسر فنجد إمبراطورا يرتدي تاج الوجهين واقفا أمام المذبح، ويقدم القرابين للعجل المقدس أبيس، ونجد أكثر من ثلاثمائة فتحة في حجرة الدفن، كما نجد حجرة خصصت لدفن أتباع الإلهة نيمسيس، وهى إلهة الانتقام التي تقتص للجريمة وتعاقب المذنبين.

أما إيزيس فتقف خلف أبيس حاملة ريشة العدالة ناشرة جناحيها رمزا للحماية، وعند الخروج من حجرة الدفن الرئيسية نجد الإله أنوبيس على اليمين في زي جندي يحمل أسلحة رومانية يقف على قاعدة على هيئة بوابة فرعونية ويلتف ناحية المدخل، وإلى اليسار نفس الإله بجسم إنسان نصفه الأسفل ينتهي بذيل تنين، وهذا الإله ممثل في شكل جندي، ويتضح أن هذه المناظر الجنائزية مأخوذة عن العقيدة المصرية القديمة نقلها الفنان دون أن يعي المعاني التي ترمز إليها.

تراث عالمي

يؤكد د. خالد غريب، أستاذ ورئيس قسم الآثار اليونانية والرومانية بكلية الآثار جامعة القاهرة، أن مدينة الإسكندرية تعد من الكنوز المنسية، التي كان يجب أن تكون من أوائل المواقع في مصر التي يتم وضعها على قائمة التراث العالمي، خاصة وأنها من المدن النادرة التي كان لها بعد سياسي وديني وتجاري واجتماعي عند إنشائها، وأطلق عليها مدينة “المصريين المتلألئة.

ويشير غريب إلى أن الإسكندرية يوجد بها أكثر من 20 موقعا أثريا نادرا على مستوى العالم، إلى جانب مجموعة من الآثار الغارقة، ومن أهم المواقع الأثرية جبانة كوم الشقافة، والتي تحتاج حاليا إلى اهتمام من مسؤولي الآثار لحمايتها والحفاظ عليها، والتي تمثل بوضوح اختلاط الفن المصري القديم مع الفن اليوناني والروماني، وجبانة الشاطبي، وتؤرخ للنصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد، وهي من أقدم وأهم المقابر اليونانية بمصر.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *