أكاديمي مصري كعب داير في أوروبا

90

افتتح الباحث والأكاديمي د. محمد بريشة كتابه “كعب داير.. في أوروبا” الصادر عن دار صفصافة أخيرا، وهو من أدب الرحلات، قائلا “على لساني 10 لغات أجيدها بطلاقة وفي جوازات سفري أكثر من ألف ختم خروج ودخول وعشرات التأشيرات تؤرخ زياراتي لأكثر من 90 بلدا حول العالم”.

وقال “ربما باستثناء الدبلوماسيين وبحارة السفن لا أعرف أحدا زار هذا العدد من البلدان أو قضى سنوات عمره متنقلا بين المطارات ونقاط الحدود البرية والبحرية. فقد وجدت متعة حياتي أن أتنقل بين البلدان كلما كان هذا الأمر متاحا. لا يهم أن أنتقل بالدرجة الأولى أو متطفلا عبر الأوتوستوب. لا يهم أن أبيت ليلتي في فندق خمسة نجوم أو في أوتوبيس ينقلني من مدينة إلى أخرى فالمهم أن أنتقل من بلد إلى بلد”.

وأكد بريشة الحاصل على درجتي الماجستير من كندا أن الأسفار علمته أن أشهى طعام هو ما يأكله البسطاء من أهل كل بلد. وأن أفضل طريقة للتعرف على أبناء الشعوب هو السير بينهم في شوارعهم ودكاكينهم ومصانعهم وحقولهم. وأن الثقافة المكتوبة على دروب البشر وبين ثنايا حكاياتهم أكثر صدقا من عشرات الكتب والموسوعات.

وأضاف “عندما حصلت على الدكتوراه في (الجغرافيا السياسية) من أعرق جامعات كندا شعرت أن كل الجهد البحثي الذي دام لسنوات في رسالة الدكتوراه يمكن تلخيصه في بضعة أسابيع أقضيها متنقلا بين (جغرافيا البشر) بين ربوع المدن والحقول والغابات والصحاري والجزر والبحار”.

وقال: “عشق الترحال جعلني أبتكر وسائل لا تخطر على عقل أحد لأتمكن من تطبيق مادة (اقتصاديات السياحة) لأستطيع أن أجعل مئة دولار تكفي لرحلة طولها عشرة أيام بين بلدان أوروبا. لم أقصد أن أكون رحالة ولم أتخيل نفسي منذ عشرين عاما عندما ركبت الطائرة للمرة الأولى من القاهرة إلى اسبانيا أنني سأقضي نصف عمري (كعب داير) بمزاجي من بلاد الله لخلق الله”.

وأوضح بريشه أن طفولته تفتحت في اسكندرية الثمانينيات وهي تودع ذكريات الكوزموبوليتانية. بقايا الجاليات الأجنبية التي كانت تعمر الثغر المبتسم حتى منتصف القرن العشرين كانت في الثمانينيات تنقرض أو تكاد. قد تتعثر هنا أو هناك في جرسون جريجي أو بقال إيطالي أو مدرس فرنسي. تجد بقايا الجاليات الأجنبية حاضرة في ألقاب بعض الأصدقاء، وفي أسماء الشوارع، وفي اللهجة المحكية السكندرية العامرة بألفاظ ومصطلحات وجدت أصولها فيما بعد خارج الحدود عندما أصبحت أتقن معظم لغات أوروبا”.

وأشار “في طفولتي.. كانت دائرة الميناء الشرقي الواسعة تشكل حدود عالمي الصغير فيدفعني الفضول لاختراقها.. أرى الأمواج تصطدم بالشاطئ فأتساءل دائما عن الشاطئ الآخر البعيد الذي بدأت عنده. ثم أسير بين شوارع المدينة فأجد تراثا معماريا يعبر كل الحدود ونقاط التفتيش حول العالم ويستحضر لمحات مدهشة من كل عواصم أوروبا.. روما.. مدريد.. باريس.. لندن.. أثينا.. وكلما مرت السنون وزاد العمر والخبرة وزادت الأختام والتأشيرات في جواز السفر كان أفق الترحال يتمدد وتجاربي في كل مدن أوروبا تتعدد. ولكن اسكندريتي الجميلة كنت أجدها حاضرة في كل مدينة زرتها حول العالم”.

  • من أجواء الكتاب ما جاء تحت عنوان “القواعد الذهبية للسفرية الهنية”:

كانت لتعدد سفراتي وتنوع وجهات السفر وتكرار الترحال بين المدن والبلاد، كان لكل هذا أبلغ الأثر في صقل تجربتي وتراكم الخبرات لدي، الأمر الذي يضعني في موضع أستطيع منه أن أجمع خيار ما تعلمت من أسفاري الطويلة وانصح به من يريد أن يستمتع بثقافة الترحال والتنقل بين الثقافات والشعوب، فمن القواعد الذهبية التي تعلمتها طيلة أسفاري العديدة ما أستطيع أن الخصه لك عزيزي القارئ فيما يلي:

سافر وحيدا امتع السفريات على الاطلاق هي تلك التي لا يشارك في خطتها أحد، نعم عزيزي القارئ السفر شيء ذاتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبما أنه ذاتي فأنت أدري الناس بما تحتاج وأغنى الناس عن شركاء لك يقررون لك ما تفعل أو يرونك ما يريدون أن يروه، أو يمنعونك بطلباتهم عما تريد أن تنجزه بمفردك، أن من أهم وأخطر القرارات التي قد يتخذها أي مسافر هو قرار أن يرافقه أحد في السفر، وهو القرار الذي يجب أن يدرسه الرحالة بكل جدية وحذر، وهو المفتاح الأساسي لكل قصة فشل تذكر في ثقافة السفر، فأن كان ولا بد من رفيق فلتكن على علم تام بغرضه وبرنامجه ومراده من مرافقتك، بل ويجب أن تناقش معه بالتفصيل قواعدك الخاصة التي تحب أن يتعرف عليها قبل أن تخطو أول خطوة في الرحلة المخطط لها.

وكلما قل عدد الرفقاء زادت أسباب نجاح السفرة وتعددت المنافع المرجوة منها، وهي خبرة تعلمتها بعد تجارب عدة حاولت فيها أن اختبر تلك النظرية التي أثبتت وجاهتها وصحتها في كل موضع وفي كل مكان وزمان، فلا أجمل من أن يتنقل الانسان حرا طليقا ويتحدث مع الناس وقتما شاء، بل ويختار منهم الصديق والرفيق في اللحظة التي يراها، ثم يبتعد عنه في اللحظة التي يراها دون حرج أو تكلف، فإن أجمل ما في السفر يا عزيزي هو الحرية، وهو جوهر المتعة بالتنقل، فلو غابت الحرية أو حوصرت مساحاتها برفيق أو قيد، ضاعت جل المتعة من السفرة. وقديما قالوا “اختار الرفيق قبل الطريق” أما حديثا فأقول “اختر الطريق وأوعي تختار له رفيق”.

الكتاب خير رفيق: سواء كان مكتوبا أو إليكترونيا أو حتى مسموعا، إنه أفضل من يرافقك، واخلص من ينصحك، القراءة يا عزيزي هي جوهر المتعة في كل ما تقوم به من تجارب وخبرات، يستحيل أن تستمع باي تجربة أو باي سفرية دون أن تقرا عن تفاصيلها مسبقا حتى يتسني لك فهم ما يدور حولك، فما قيمة أن تتجول بالميدان الأحمر بموسكو دون أن تعي الدور التاريخي الذي لعبه هذا الميدان، وقيمة الزعماء الذين خطبوا فيه وحركوا منه الجيوش، القراءة هي الجوهرة التي ترصع عقد السفر وتحتل منه موقع الثقل، إنها المتعة الكاملة، والبراح الذي لا ينحسر، وهي الوقت الذي كلما أنفقته عاد اليك أضعافا مضاعفة بعائد الحكمة والرزانة والعمق.

تعلم لغة البلد التي تزورها، أو حتى حاول أن تردد بعد الكلمات الاساسية: إنها المفتاح السحري لقلوب الشعوب، أن يبذل المسافر جهدا في التواصل مع أهل البلد التي يزوره، لا تتخيل يا عزيزي القارئ حجم الحواجز والعقبات التي يمكن أن تزلل في طريقك إذا ما اتخذت القرار الصعب والسهل في نفس الآن بالتواصل مع أهل المدينة التي تزورها بلغتهم أو بلهجتهم، إنك تقدم لهم بهذا عربونا للصداقة وبرهانا للصدق، إنك تسألهم أن يقبلوك على اختلافك، من حيث قبلتهم أنت باختلافهم، أنت بهذا تبني الصداقات وتكتسب الناصحين المخلصين، بل وتتجنب الكثير والكثير من المتاعب في أحيان عدة.

احمل ما خف وزنه وزاد نفعه وقل همه: مفتاح من مفاتيح السفرة الهانئة أن تنعم بحقيبة سفر بسيطة وخفيفة، لا تضيع وقتك في إعدادها أو تفريغها، ولا تلزمك بانتظارها في صفوف طويلة أمام وحدات استلام الحقائب بالمطارات، ولا تستهلك من طاقتك الكثير في حملها وحمل همها، المسافر السعيد هو المساافر الخفيف، أو المسافر الحر سريع الحركة كثير التنقل، وكل تلك المتطلبات يتنافى معها وجود حقيبة تزن عشرات الكيلوجرامات، يحملها الانسان كشيطان يحمل أوزاره في جحيم سرمدي.

السفر متعته في كثرة ما يشاهده المسافر في أقل زمن ممكن، وهذا هو الفارق الجوهري بين الرحاله وبين المسافر من مكان إلى آخر، فالمسافر مثله كمثل قطعة الأثاث التي تشحن من بيت لبيت ثم توضع ليتراكم التراب عليها. أما الرحالة فهو كالنسيم العابر لا تكاد تشعر به حتى ينصرف ليداعب وجوها أخرى كثيرة غيرك.

إياك والأحكام المسبقة: أكثر ما يفسد خبرة المسافر أن يصدر أحكاما مسبقة على مكان بمجرد موقف أو معاملة أو حتى كلمه يسمعها من أحدهم، ثم يعمم في بلاهة تجربته الضيقة على المكان الذي يزوره بأكمله، فهذه هي قمة الحماقة، الأحكام المسبقة هي السم الزعاف الذي يقتل روح المغامرة والرغبة في الاستكشاف، فما هي المتعة من استكشاف مكان إذا كان صاحب التجربة متأكد من النتيجة ولا يضع في اعتباره أية احتمالات أخرى لتجربته، الرحالة الناجح هو الذي يتعامل مع كل مكان يزوره على أنه مكان ميلاد جديد، تولد فيه تجربة فريدة، تتمتع بشخصيتها وبظروفها وبحالاتها المتميزة عن كل ما سبق وكل ما يلهيها.

إياك والفهم الخاطئ للسفر بأنه زيارة مكان جديد وحسب: خطأ شائع يقع فيه كل من يهوى الترحال أو يقدم على تجربة السفر والتنقل، وهو اعتباره أن السفر لا يعتبر سفرا إلا إذا كان لمكان جديد على الخريطة، هناك فارق كبير بين السفر والمظهرية، إذا كان السفر لمجرد تعليم المكان باسم المسافر حتى يقال فلانا زار كذا وكذا وكذا.. فهذا ما يسمي مظهرية، أما إذا قيل فلان اكتسب خبرة من زيارته لكذا وكذا وكذا، فهذا هو ما يسمى ثقل التجربة وتراكم الخبرات، وهذه هي المتعة الحقيقية، فقد يكرر المسافر الحقيقي تجربة سفره لنفس المكان مرات عديدة، ويخرج من كل زيارة بتجربة جديدة وفريدة، في حين يحرص غيره على تعليم علامة (صح) على كل مواقع خريطة العالم دون أن يخرج من أي من زياراته بتجربة واحدة ينتفع بها أو خبرة يشاركها معه الآخرين فيفيدون منها.

احذر مناطق التوتر: على المسافر دائما أن يكون حذرا جدا، وعليه أن يتجنب الوقوع في المتاعب بل والابتعاد عن مواضع المتاعب برمتها، ومن اكثر المناطق المتوترة والتي يضطر المسافر أن يتعامل معها رغما عنه، المطارات، فالمطارات يا عزيزي القارئ هي بؤرة مناطق التوتر ومركز إثارة المتاعب إذا لم يكن المسافر كيسا فطنا، فالعالم في عصرنا الحالي يعيش في حالة من الرعب من أي شيء ومن كل شيء، خاصة في المطارات بما لها من تاريخ طويل كثقوب أمنية للحوادث الارهابية المؤلمة، وعلى المسافر أن يكون دائما خارج دوائر الشك خاصة إذا ما كان يحمل ملامحنا الشرق أوسطية الجميلة، ففي المطارات ينبغي على المسافر ألا يتحدث كثيرا لمن لا يعرفهم، وأن يبتعد عن الأمتعة التي لا يرى معها صاحبها، وعليها مهما كان اجتماعيا أو بشوشا، أن يمتنع عن التحدث مع الغرباء أو تكوين الصداقات داخل المطارات أو في طوابير التفتيش الأمني، وعليه أن يجيب دائما إجابات محددة وقصيرة وعلى حدود الأسئلة التي يُسألها أو يتطلب منه الإجابة عليها، فالإطالة في الإجابات أو الدخول في مناقشات جانبية قد يفتح على المسافر أبوابا من المتاعب هو في غني عنها بدون ادني شك.

لا تضع البيض في سلة واحدة: أهم ما يملك المسافر هو شيئان لا ثالث لهم، ماله وجواز سفره، وهم أهم ما يجب على أي مسافر أن يحرص على وجوده وتلمس موضعه من جسده طول الوقت، فيجب على المسافر أن يعد حقيبة وسط صغيرة يلفها حول وسطة ويضع فيها مقتنياته بحيث تكون أمامه وبين يديه، أو أن يرتدي ملابس متعددة الجيوب المحكمة ويضع في أحدها جواز سفره وفي الأخرى أمواله، وعليه أن يتجنب دائما أن يضع جواز سفره وماله في نفس المكان، وعليه ايضا أن يتاكد من عدم حمله للأوراق النقدية من الفئات الكبيرة، بل يفضل بتقسيم المبلغ المالي النقدي الذي يحمله دائما في أكثر من جيب، وعند إخراج النقود، يحاول أن يفصل النقود بيديه داخل جيبة قبل أن يخرج الورقة النقدية التي يريد التصرف بها، حتى لا يعرف حجم ما يحمل.

ابتعد عن القطيع: المسافر الحقيقي هو الذي يعايش ثقافة أهل المكان الذي يزوره، وهو الذي يبتعد في نفس الوقت عن مناطق تجمع الغرباء والأجانب، خاصة إذا ما أراد أن يحظي بتجربة خاصة وفريدة، فعليك عزيزي المسافر أن تحاول تجنب المناطق التي يكثر فيها تجمع السياح العاديين الذين يبحثون عن صور تقليديه وأماكن تقليديه ينفقون فيها أموالهم، فما معني أن يسافر أحدهم إلى أسبانيا ثم يذهب إلى مطعم للوجبات السريعة الأميركية؟ أو أن يحتسي القهوة الأميركية في أحد مطاعم سلاسل القهوة الأميركية الشهيرة، دون أن يحاول أن يجلس في احد البارات المحلية التي تقدم الطعام الأسباني التقليدي كالجاسباتشو أو البقية، أو أن يشرب الكورتادو بالحليب الشهير، هذه هي التجربة الكاملة وهذه هي المتعة الحقيقية.

محمد الحمامصي : ميدل ايست أونلاين




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *