التحرش في المدارس صداع مزمن في رؤوس الآباء والأمهات

73

وقائع التحرش الجنسي ضد الطلاب تكون أحيانا من جانب الطلاب تجاه بعضهم البعض، وفي أحيان أخرى من المعلمين أنفسهم أو من عمال المدارس نحو الطلاب، دون تفرقة بين طالب وطالبة، حتى أضحى الحديث عن وجود حالات تحرش تتكرر بشكل شبه يومي.

وبلغ الخطر حدّ أن وزارة التربية والتعليم لم يعد بإمكانها إخفاء هذه الوقائع، نظرا إلى كثرتها، ما دفع بوزارة التعليم المصرية إلى البحث عن آلية جديدة لمحاربتها، خاصة وأن عدد المدارس يزيد الآن على 52 ألف مدرسة حكومية، بالإضافة إلى 8 آلاف مدرسة خاصة، وهو ما يستلزم جهدا كبيرا.

وأوضح خبراء التعليم أن سياسة العقاب والإبعاد النهائي عن التدريس بالنسبة إلى المعلم المتحرش، ومعاقبة الطالب الذي يصدر عنه هذا السلوك بمنعه من الحضور إلى المدرسة، واستكمال دراسته من المنزل، لم تعد تجدي نفعا أو تصلح للقضاء على وقائع التحرش بالمدارس.

ولجأت الوزارة إلى الجمعيات الأهلية، المتخصصة في شؤون المرأة والطفل لمحاربة هذه الظاهرة من خلال إقامة ندوات علمية ومحاضرات داخل المدارس، لتوعية الصغار بمعنى التحرش وأساليبه وكيفية التعرف على الشخص المتحرش وآليات مواجهته، وعدم منحه الفرصة لارتكاب مثل هذه الأفعال معهم، أملا في أن يكون الحل في يد الضحية المستهدفة وليس الجاني. وفتح الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم، مؤخرا، تحقيقات عاجلة في 26 حالة تحرش جنسي وقعت في الأسابيع القليلة الماضية بعدد من المدارس، سواء الحكومية منها أو الخاصة، بعدما اشتكى العديد من الأطفال المراهقين من تعرضهم لتحرش لفظي أو جسدي على يد طلاب ومعلمين وعمال.

وجرى بالفعل، إيقاف المتورطين في هذه الوقائع عن العمل إلى حين الفصل في التحقيقات، وإبعادهم عن العملية التعليمية مع بحث إمكانية فصلهم.

وشرعت المدارس في اتخاذ إجراءات تعد الأولى من نوعها، عبر القيام بتحاليل مخدرات على جميع العمال، تمهيدا لإبعاد كل من تثبت الفحوصات إدمانه على المخدرات عن العمل داخل المدرسة أو عن التعامل مع الصغار، بعدما كشفت واقعتا تحرش جنسي بطالبتين في مدرسة خاصة قبل أيام، أن المتهم فيهما عامل مدمن على المخدرات.

لكن المشكلة الأكبر هي أن الكثير من الطلاب يخشون الكشف أو الحديث عن تعرضهم لمضايقات أو تحرش خوفا من الفضيحة، وبالتالي لا بد من تشجيع هؤلاء على إظهار الحقيقة حتى تتم معاقبة “هؤلاء الذئاب”.

وتستهدف حملات التوعية بالمدارس، أولا المناطق الفقيرة والبعيدة نظرا إلى أن الثقافة الجنسية والاجتماعية في هذه المناطق تكاد تكون منعدمة، إضافة إلى أن الأطفال في تلك المناطق يتعاملون مع أي شخص بتلقائية وأمان كامل، وبالتالي فإن هذه المناطق ستكون مستهدفة من قبل الحملة للتوعية بمخاطر وأشكال التحرش.

وأطلق الاتحاد النوعي لنساء مصر حملة تستهدف الطالبات أطلق عليها “ما تخافيش”، الهدف منها مواجهة التحرش في المدارس، وكانت من بين مطالبه سرعة الكشف النفسي عن كل العاملين في المدارس، باعتبار أن مدرسي الصف الابتدائي يجب أن يتحلوا بمستوى عال من الأخلاقيات عن أولئك الذين يُدرّسون طلاب الجامعات. واعتمدت المدارس على أخصائيين من مؤسسة قضايا المرأة لإقامة عدة ندوات ومحاضرات توعوية، بغرض مكافحة التحرش والانتهاك الجنسي بين طالبات وطلاب المراحل التعليمية الثلاث (الابتدائي والإعدادي والثانوي).

وتسعى هذه الندوات إلى توعية النشء عبر إكسابهم مهارات مواجهة الانتهاكات الجنسية، بكافة صورها وأشكالها، وتوعية الجنسين بالتغيرات الفسيولوجية التي تحدث خلال مرحلة البلوغ والمراهقة وما يصاحبهما من مشاكل متنوعة.

وقالت هدى بسيوني، أخصائية السلوك النفسي بمؤسسة “حماية النشء” لمحاربة التحرش بالمدارس، إن المحاضرات المدرسية المرتقبة سوف تعلّم التلميذ الصغير عدم الذهاب إلى أماكن أو فصول مغلقة مع أحد، أو عدم الجلوس مع أي شخص بمفرده في أي مكان منعزل بالمدرسة، وأن يبقى وسط زملائه الطلاب مع التأكيد على المعلمين بعدم ضربهم نهائيا حتى لا يكون ذلك فرصة للاحتكاك بالجسد.

وأضافت لـ“العرب”، أن من بين وسائل حماية الصغار من التحرش رفضهم للملاطفة المفرطة أو العناق أو الاحتكاك، مع ضرورة أن يصرخ الطفل في حال تعرضه لمضايقات من أي نوع، فضلا عن إبلاغ أسرته بما حدث معه دون خوف، والأهم أن تشجع الأسر أطفالها على مصارحتها لوقايتهم من التحرش، لأن العزلة في المنزل تخلق طفلا انطوائيا، قد يتعرض للتحرش ويصمت.

وتعوّل المؤسسات التعليمية على الأسرة لإنجاح فكرة المحاضرات التوعوية بالمدارس، وترسيخ مضامينها في عقولهم، ومراقبة سلوكياتهم وأفعالهم داخل المنزل، بشكل ينعكس على ما يحدث داخل المدرسة، ويفيدهم في مراحل السن المتقدمة، لوقايتهم من التحرش مستقبلا.

وقال كمال مغيث الخبير التربوي لـ“العرب”، إن فكرة تقديم محاضرات خاصة بالتحرش لتوضيح مفهومه وكيفية مواجهته، تعتبر بداية جيدة لمعالجة هذه الظاهرة لا سيما وأن الطلاب في مراحل معينة، مثل الإعدادية والثانوية، في حاجة إلى توعية بمفاهيم وأشكال التحرش. كما دعا مغيث إلى تدريس “التربية الجنسية والنوعية” وإلحاقها بالمناهج المدرسية على أن تكون هذه المناهج في شكل أنشطة محببة لعقول الأطفال.

وعلى جانب آخر، ينبه البعض من التربويين إلى أنه لا يجوز، تربويا ونفسيا، تطبيق الدروس المتعلقة بالتحرش على أطفال المرحلة الابتدائية، نظرا إلى صغر سنهم وعدم إدراكهم لما يقال في هذا الشأن، وأوضحوا أن المحاضرات قد تخدش حياءهم ومن الخطأ لفت أنظارهم إلى التحرش، لكن يمكن التطرق إلى الوقاية الجسدية بشكل عام.

أميرة فكري :العرب




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *