الرواية والإبداع

0111

 

ما زالت نظرة العرب إلى دوافع الكتابة -الأدبية تحديدًا- متوقفة عند حدود الإلهام والوحي.هناك فهم -يبدو لي ساذجًا- لمفاهيم الإبداع والموهبة، وربما لمفهوم الكتابة بشكل عام، وبشكل خاص الكتابة الإبداعية أو الأدبية التي تتوسل بالخيال والجمال للوصول إلى القارئ والتأثير فيه.

هذه السذاجة -في ظني- هي السبب في النظر بعين الريبة إلى ظاهرة الإقبال على كتابة الرواية في السنوات الأخيرة، لمجرد افتراض أن هذه الكتابات نتيجة لطمع أصحابها في الجوائز الكبرى، أو على أقلّ تقدير الإفادة من الرواج الذي حققته تلك الجوائز لهذا الفن.

يخرج هؤلاء من تلك الفرضية، رغم فقرها الواضح، إلى فرضية أخرى وهي أن هذه التجارب -أو معظمها- مجرد كمّ يخلو من المغامرة والتجريب، غير مرتبط بوعي، وبالتالي لن يضيف إلى الفن شيئًا!

المقدمات الخاطئة تقود دومًا إلى نتائج خاطئة، والتعميم نوع من الاستسهال يقود إلى التخلّي عن المتابعة الجادة، وبالتالي فقدان البوصلة، وهي السّمة الرئيسة لحركة النقد الأدبي العربي على الصعيدين الأكاديمي والصحافي، ثمة استسهال في إطلاق أحكام عمومية مبنية على ملاحظات أيضًا عمومية، وبالتالي يصبح الأمر مجرّد كلام في كلام، أو كلام من كلام، مع كامل التقدير للاستثناءات القليلة التي تحترم مبدأ أن يكون كلامها في حدود جهدها وقدرتها على المتابعة.

نعود إلى ما أراه سببًا في تلك النظرة العمومية والساذجة: ثمة اعتقاد بأن “الموهبة” كما يوحي اشتقاق المفردة، شيء موهوب من قوى عليا يهبط على صاحبه فجأة كالقضاء والقدر، لا يقل سخافة عن هذا الاعتقاد أن العبقرية ليست حالة تمكن دراستها وصنعها، إنما هي من مِنَح الجن الذين يسكنون ذلك الوادي الخيالي المسمى بوادي عبقر، ولا يقلّ عن ذلك سخفًا أن يلتصق البعض بالمعنى الحرفي لكلمة الإبداع المشتق من كلمة بديع التي هي اسم من أسماء الذات الإلهية يعني لا شبيه له، وينسى أن ينزل بهذا التوصيف إلى مفرداته العملية: الدهشة والجمال والمتعة.

هذا التحليق يحرم الناس من لمس أرض الواقع الذي يختلف كثيرًا عن هذه الخلفية التي نسمّيها تلطفًا غير علمية، فالبحث المتأنّي في تاريخ الكتابة في أيّ مجتمع يكشف أنها لم تكن أبدًا وحيًا أو إلهامًا، وإن بدت كذلك في بعض التجارب فلاستحالة معرفة مراحل نشأة هذه التجارب ودوافعها.

الإبداع حالة موضوعية تنتج عن تفاعل يمكن رصده بين مجموعة من العوامل العقلية والشخصية والبيئيّة والاجتماعيّة، يقوم الأشخاص خلالها بابتكار حلول مغايرة للمواقف العمليّة أو النظريّة في أيٍّ من المجالات العلميّة أو الحياتيّة، هذا الابتكار ليس وحيًا ولا إلهامًا ولا رسالة من جنّ أو من سماء، إنما هو حركة مدفوعة (لها دوافع)، هذه الدوافع ذاتية وخارجية. هذه الحركة المدفوعة (الإبداع) تتأثر في شكلها ومحتواها بثقافة منتِجها وطبيعة فهمه وتجاربه واهتماماته، كما تتأثر بمحيطها وأشكال الإنتاج فيه، بقدر تأثر المبدع/المنتِج/ الكاتب بذلك المحيط.

إذا أعدنا النظر في الأمر وفق هذه المعادلة، يمكننا أن نؤثّر في المنتَج الأدبي أو الفني (أو سمه الإبداع) من خلال التأثير في مكوّنات معادلته، ومن ذلك خلق المناخ المحفز لأيّ شكل من أشكال التعبير الفني عن الذات، هنا يمكن للجوائز أن تلعب دورًا.

هل كان المتنبي -وهو يستمد دوافع إبداعه من بحثه الحارق عن إمارة- بعيدًا عن تلك المعادلة؟ هل كان بديع الزمان -وهو يكتب مقامته إرضاء لأحد الأمراء- بعيدًا عن تلك المعادلة؟ هل يخلو ما كتباه من مقومات الإبداع؟

اخلقوا دوافع خارجية وراقبوا -بمحبة وليس بريبة- تحرك الدوافع الذاتية نحو الإبداع.

…….

شاعر من مصر مقيم في الإمارات

 

وليد علاء الدين




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *