نجيب حبيقة الحلقة الموؤودة في تاريخ المسرح العربي

5555

 

 

عواد علي

العرب

 

قبل نحو مئة وعشرين عاما نشر أديب لبناني شاب، في الثلاثين من عمره، اسمه نجيب حبيقة (1869 – 1906)، مقالا عنوانه “فن التمثيل” في ست حلقات بمجلة “المشرق”. من يقرأ هذا المقال اليوم لا بدّ أن يكتشف أن صاحبه كان منظّرا خطيرا لفن المسرح، ومثقفا سابقا لعصره، استوعب نظريتي أرسطو وبوالو، وأفكار شليغل وغوته وراسين وكورناي حول المسرح استيعابا لا يرقى إليه استيعاب الكثير من المعنيين بنظرية المسرح وكتّابه في عالمنا العربي اليوم.

يشير نجيب حبيقة، الذي كان يعمل مدرسا للبيان بكلية القديس يوسف، في مقدمة مقاله إلى أن التمثيل فن جليل القدر رفيع الشأن، ويقتبس من شليغل قوله إن التمثيل “من أعظم ما أنتجته قوة التعبير، فاق جميع الفنون الشعرية، ومن ثمّ كل ما جادت به قرائح البشر”، ويعزو حبيقة ذلك إلى أنه (أي التمثيل) “يعيد إلينا أخبار السلف بطريقة شيّقة لا نظير لها، فهو يحاكيهم في طبائعهم وعوائدهم وأقوالهم وأفعالهم ومحاكاتهم بما يخيّل لنا أنهم نُشروا من مدافنهم وظهروا علينا بمظهر الأحياء على حالتهم الأصلية، كأنهم لم يغيبوا عن عالم الوجود”، ويستنتج أن “هذا التخيّل هو علة شغفنا بالروايات التمثيلية وتأثيرها فينا”.

حين قرأت مقال حبيقة هذا، أثار في نفسي دهشة كبيرة، وتمنيت وقتها لو أن باحثا عربيا يكرّس جهده لتحقيق نص المقال، والتعمق في تحليله وإنزاله المنزلة التي يستحقها في مسارات المسرح العربي إبداعا وتنظيرا. وقد تحققت هذه الأمنية على يد الباحث والناقد وأستاذ المسرح التونسي محمد المديوني في كتابه “حلقة موؤودة في تاريخ المسرح العربي”.

فجوة غائرة

يشير المديوني في مقدّمة كتابه، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة ضمن سلسلة دراسات، إلى أن لقاءه بنجيب حبيقة ومقاله “فن التمثيل” بدأ سنة 1992، في إطار الإعداد لدرس أنجزه، وسمه وقتها بـ”الحدث المسرحي في الثقافة العربية”، وكان شاغله فيه أن يقف مع طلبته على المفاصل التي قامت على أساسها الممارسة العربية لهذا الفن، وارتسمت من خلالها التنويعات التي عرفتها إنتاجاته.

ويذهب المديوني، في هذه المقدمة أيضا، إلى أنه تبيّن له، بعد صدمته من المشروع الكامن وراء مقال حبيقة، أن أمرا غير سويّ ألمّ بالدراسات التي عالجت مسألة نشأة المسرح واستنباته في الثقافة العربية الحديثة. وقد تجلّى له أن فجوة غائرة حدثت في البحوث التي كُتبت عن نشأة المسرح العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، على اختلاف منطلقات أصحابها فيها.

إن العدد الأكبر من هذه البحوث قد غابت عنها، حسب رأي المديوني، العناية بمرحلة مفصليّة من مراحل استنبات فن المسرح في الثقافة العربية استنباتا يتجاوز الترغيب فيه والدعوة إليه باعتباره طريقا إلى الحداثة، أو إلى التنفير منها على أساس رفض تلك الحداثة.

ولا نكاد نعثر فيها على سعي إلى تقويم تلك المرحلة انطلاقا من وجهة النظر تلك، ولا على نظر في الجهود التي بُذلت لاستنبات هذا الفنّ على أساس الحاجة إلى تمثّل جوهره، أو ما يُفترض أن يكون كذلك، ولا على متابعة لصور ترسيخ هذا الفن ترسيخا يستند إلى استيعاب المرجعيّات النظرية التي قام عليها عند المسرحيين الأوروبيين والمقاربات العملية والنقديّة الناجمة عنها.

فن ناطق

يقف المديوني، في مقال حبيقة، على وجه من وجوه الدّعوة إلى فن ناطق بنُقلة نوعيّة مهمة في تمثّل النخبة العربية له تكاد ترتقي إلى ما يمكن اعتباره قطيعة معرفية في مسارات المسرح واستنباته في الثقافة العربية.

لكنه يقف، في الآن ذاته، على صور عجيبة من الجهل بما ورد في هذا النصّ لدى العدد الأكبر من بين المعنيين بالمسرح العربي، وعلى وجوه من تجاهلوه لدى عدد غير قليل منهم لا تخلو، أيضا، من غرابة؛ وذلك بالرغم من ذكر عنوان المقال وصاحبه في أكثر من مسرد ببليوغرافي منذ السنوات الثلاثين على الأقل.

يتعامل المديوني مع مقال حبيقة هذا بوصفه نصّا من بين النصوص المؤسّسة للمسرح العربي لا يقل موقعُه أهمية عن موقع نص الخطبة التي قدّم بها مارون النقّاش عرض مسرحية البخيل سنة 1847.

وما يدعوه إلى ذلك هو ما تضمنه المقال من مرجعيات نظرية متعددة لا يكاد يلمس مثلها في نصوص سابقيه ولا معاصريه، وانشغال بتدقيق المفاهيم لافت للانتباه، إضافة إلى ما تجلّى له فيه من صياغة عربيّة. لذلك كلّه بدت معها المقولات التي قام عليها كتاب أرسطو “فن الشعر” مستساغة في اللّسان العربي، كأنها نبعت منه ونشأت فيه.

وعلى هذا النحو بدت، كذلك، الاجتهادات التي أنجزها شُرّاحه ومفسّروه وكتابات من سار على منواله من النقّاد والمنظّرين أمثال هوراس اللاتيني، وبوالو ودوبنياك وكورناي الفرنسيين، وشليغل وغوتة الألمانيين وغيرهم من كتّاب المسرح ومنظّريه الأوروبيين.

يرى المديوني أن من يتأمل هذا النص يقف على استيعاب لأهمّ مقوّمات الدراماتورجيا بمعناها الفرنسيّ، وعلى معرفة بالأسس التي قامت عليها إنشائيّة التأليف المسرحي معرفة لا يجد لها ما يضاهيها في عصره وفي عقود كثيرة لحقت به، ويستشفّ مُمعنا النّظر في المقال رؤية ومشروعا؛ أمّا الرؤية فتتعلّق، من ناحية، بتفسير الصّلة غير السّويّة التي قامت بين مقولات، في فن الشعر وبين مُترجميه إلى اللسان العربي في العهود القديمة تفسيرا لا يخلو من دقّة ورجاحة عقل، بالرغم من إيجازه، وترتبطُ، من ناحية ثانية، بتقويم واقع التأليف المسرحي بين العرب إلى عهده لا تخلو من صرامة. ومن خلال هذه الرؤية ينبثق المشروع الذي كان نجيب حبيقة يسعى إلى إنجازه.

 




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *