أفلام يابانية مخلصة للأصناف والتقاليد والغموض

33333333

 

طوكيو : محمد موسى

 

يأتينا الصوت النسائي عبر المذياع ليخبرنا أن المسرح الياباني الذي كنا ننتظر فيه عرض الفيلم التسجيلي «أولمبياد طوكيو» بني وفق مواصفات خاصة ليتحمل الهزات الأرضية في حال وقوعها. يبدو هذا التحسّب للمستقبل والذي يصادف الغريب كثيراً في البلد الآسيوي وكأنه هاجس ياباني متأصل. فهناك الآلاف الذين يقطعون العاصمة طوكيو كل يوم وهم يرتدون أقنعة وجه لتحميهم من أمراض محتملة، رغم أن لا أسباب مقنعة لخوفهم إذ إن مدينتهم ربما هي الأنظف في العالم، وقضاء أيام فيها يكفي لفهم ما يُكتب أحياناً عن تذمر يابانيين من الفوضى والأوساخ في الشوارع عندما يكونون في أوروبا والولايات المتحدة، ذلك أن الفروقات كبيرة أحياناً في التقاليد وعلاقة الفرد بمحيطه والبلد بين اليابانيين وسواهم.

لا تعين الأفلام اليابانية كثيراً، وعلى وجه الخصوص تلك التي عرضت في الدورة الأخيرة من مهرجان طوكيو السينمائي – عقدت من الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) وحتى الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) -، في فهم أكثر للبلد اللغز والذي حكمت عليه الجغرافيا واللغة الصعبة في البقاء معزولاً عن العالم لقرون. فكثير منها وعلى خلاف الأفلام الأجنبية التي عرضت في المهرجان، تجنب مواضيع الواقع وقدم قصصاً عن عوالم غريبة وأسطورية، وانتمى بعضها الى فئات معروفة في السينما اليابانية كالتحريك وأفلام الرعب والعنف المعروفة بقسوتها الشديدة، وحتى الأفلام الاجتماعية اليابانية المعاصرة تختلف عما نشاهده من أفلام من هذا النوع من ثقافات أخرى لأنها ترتبط على نحو وثيق بالتراث الياباني المتحفظ اجتماعياً، وترفع قيماً مثل التضحية والوفاء، والمآساة فيها داخلية يجتهد أصحابها بدفنها في أعماقهم، ويتعاطون معها بتمعن، وتتم فلسفتها وتقبلها.

والحال أن مهرجان طوكيو السينمائي وبالإضافة الى عرضه الجديد من السينما الفنيّة من البلد ضمن مسابقته وبرامجه الخاصة بالسينما اليابانية، يوفر فرصة لمشاهدة الأفلام اليابانية التي لا تجد صعوبات كبيرة في الحصول على نوافذ عرض جماهيرية واسعة في الصالات السينمائية التجارية، وهي الصالات التي تحجز الأفلام اليابانية عدداً ثابتاً يقترب من النصف من برمجتها، ويخطف بعضها أحياناً أهم النجاحات على صعيد الإيرادات المالية. من الأفلام الروائية التي افتتحت عروضها في مهرجان طوكيو السينمائي وقبل أن تنطلق في الصالات اليابانية: «المتحف» للمخرج كيشي اوتومو، و «البذار المسافر» للمخرج كيوشي ساسابي، و»مرحباً، وداعاً» للمخرج تاكيو كيكوتشي.

ماضي المحقق الشاب

بعد أن أسس اسمه في اليابان كمخرج أفلام حركة ذي موهبة كبيرة، انتقل كيشي اوتومو قبل سنوات الى الولايات المتحدة حيث يعمل اليوم مخرجاً لعدد من مسلسلات التحري والجريمة التلفزيونية. يعود المخرج في جديده «متحف» الى اليابان ليقدم قصة مخيفة عن محقق شاب لا يختلف في إهماله لحياته الزوجية وطفله عن الصور الشائعة عن محققي الجرائم المهووسين بعملهم. بعد سلسلة من الجرائم الوحشية يكتشف البطل أن المجرم يهدف من تلك الجرائم إلى جذب اهتمامه هو بالتحديد، وانه المعني والهدف النهائي لها. يتطور الفيلم الى مواجهة بين المحقق وماضيه، ويقدم ربما واحداً من أشد أشرار الأفلام رعباً في تاريخ السينما. يرضي الفيلم بتطرفه في العنف عشاق الفئة، وربما يمهد لنسخة غربية منه، وكما حدث في الماضي مع أفلام يابانية ناجحة.

وعلى النقيض تماماً من الفيلم السابق، يقدم فيلم «البذار المسافر» قصة ناعمة يغلفها الحزن وتتخللها بعض الضحكات أيضاً عن شابة ريفية تضطر إلى أن تتخلى عن حلمها في الغناء من أجل رعاية حقل الخوخ الذي تملكه العائلة وبعد وفاة الأخ الكبير المفاجئ. بيد أن الحب سيصل اليها وهي في حقلها بعد أن زارهم في الحقل موظف من وزارة الزراعة للحديث عن مشاكل الفلاحين في المنطقة. تتعثر قصة الحب العذبة بالمشاكل، ويحتل الحقل ذاته الذي قدم فيه مشاهد جميلة مكانة رمزية مهمة في الحكاية، اذ إنه سيذكر بالأخ الراحل، وسيتحول الى البوصلة التي تقود البطلة وأختها بعد المأساة لتلمس الطريق نحو التقبل والنضوج.

واقعية يابانية

وبعد أن بدا وكأنه سيقدم قصة عن حياة مراهقتين من اللواتي يواجهن أسئلة الهوية والشعبية بين زميلاتهن في المدرسة، يتغير مسار فيلم «مرحباً، وداعاً»، بعد أن صادفت بطلتا الفيلم سيدة مسّنة تعاني من الزهايمر ضائعة في الشارع. تقرر الفتاتان مساعدة العجوز والذهاب معها الى البيت الذي كان يعيش فيه حبيب شبابها قبل أكثر من نصف قرن، والذي تخلت عنه وقتها لظروف قاهرة، إذ إنها تحمل رسالة له تفسر له كل شيء، وهي الرسالة التي لم تجرؤ على إرسالها وقتها. سيتحول الفيلم في جزء منه الى رحلة طريق قصيرة وغير مألوفة لإيصال هذه الرسالة. في أثناء ذلك ستتطور علاقة صداقة بين البطلتين، وبعد أن كانت شعبية إحداهما بين زميلاتها والطباع الهادئة والفردية للأخرى عائقاً أمام علاقة بينهما.

يذكر الفيلم هذا بأفلام السينمائي الياباني المعروف كور- إيدا هيروكازو، التي تتميز بطبيعة قصصها والإدارة الفريدة لممثليها وممثلاتها من صغار السن، بيد أن فيلم «مرحباً، وداعاً» يندرج في الوقت نفسه ضمن اتجاه ياباني خاص ذي هوية سينمائية متفردة، تتميز بكوادرها ولون الصورة والمسافة التي تأخذها من شخصياتها والحزن والحنين اللذين يطبعان السرد فيها. تنضج المراهقتان في الفيلم بعد الاقتراب من قصة المرأة المسنة، ويضيف حضور ابنة الأخيرة وقلقها وحزنها على فقدانها الأُمّ – رغم أنها لم تغادر هذا العالم بعد – بعداً مأسوياً للفيلم، فيما ستشكل التفاصيل الخارجية حول السيدة المتقدمة في العمر هوية ما لها، ستبلغ مقداراً كبيراً من التأثير في المشاهد الختامية، رغم أنها لم تتفوه بجملة كاملة واحدة، وبدت تائهة في الماضي البعيد لها.

طاهر رحيم تحت إدارة يابانية

في جديده «داغايروتايب»، يختار المخرج الياباني كيوشي كوروساوا قصة فرنسية بأبطال فرنسيين، يتصدرهم الممثل طاهر رحيم، في أول دور له يلعب دور شخصية فرنسية لا تعود الى أصول عربية كما اعتاد في أفلامه السابقة. يصل البطل الذي يؤديه «رحيم» في مقدمة الفيلم الى مكان عمله الجديد كمساعد لمصور فوتغرافي يصور بكاميرا قديمة صوراً يستغرق التقاطها ساعات أحياناً. يعيش هذا المصور المأخوذ ببدايات حقبة التصوير الفوتوغرافي في بيت واسع مع ابنته، فيما تطل بين الفينة والأخرى أشباح نساء يتجولن في البيت بملابس عصور سابقة. ستتطور علاقة حب بين البطل وابنة المصور، وسيسعى الشاب لإقناع مشغله بأن يبيع البيت الواسع الذي يعيش فيه الى شركة مقاولات، أملاً بملبغ كبير وُعد به.

يتبين في منتصف الفيلم أن الحكاية التي نتابع تفاصيلها هي فقط لإغوائنا في الوقوع في فخاخ الفيلم العديدة وألغازه والتي تبقى جميعاً بلا أجوبة. إذ لا شيء مؤكداً من تلك القصة أو الشخصيات، سوى ما تتركه من ثقل عاطفي كبير. بمعالجة قاتمة تبتعد تماماً عن المساومة، يحفر المخرج عميقاً في الخيال والحقيقة، والصدق والخيانة، فليس من المعروف أن ما نراه هو انعكاس لهواجس البطل وعالمه الداخلي، الذي يلعبه «رحيم» بموهبة رائعة، اذ يجيد دور الشاب الذي تنغرس قدماه ببطء في مياه مجهولة، عندما خيل له أنه سيخرج من فقره، وربما يكون قد ارتكب أفعالاً مروعة من أجل أهدافه. ثم يأتي ذلك المشهد الطويل البديع له في خاتمة الفيلم، والذي يظهر جانباً غير معروف من الممثل ليؤكد أنه واحد من أهم الممثلين الشباب في فرنسا اليوم.

إمرأة الثلج

تعد «كيكي سوغونو» من الأسماء الشبابية اللامعة في السينما اليابانية اليوم، إذ إنها تجمع بين الإنتاج والإخراج والتمثيل، وفيلمها الأخير «إمرأة الثلج» الذي عرضه مهرجان طوكيو ضمن مسابقته الرسمية يؤكد موهبتها السينمائية خلف الكاميرا، اذ يتميز الفيلم بمناخاته المحلية الفريدة والقصة التي قدمت بلا زمن معين، وإن كانت هناك إشارات إلى أنها ربما تدور في حقبة ما قبل الستينات من القرن الماضي. تلعب المخرجة نفسها دور البطولة. هي فتاة تصل في ظروف غامضة الى قرية معزولة، وسيقع بحبها أحد شباب القربة، ويتزوجان وينجبان طفلة. ستحدث حوادث مقلقة في القرية منها مقتل ابن ثري القرية، عندها يقوم البعض بربطٍ بين هذه الحوادث والشابة الغربية الغامضة.

يستند الفيلم الى قصة يابانية قصيرة من بداية القرن العشرين، ويتجه اهتمامه الى خلق مناخات ريفية يابانية أسطورية خاصة، حجزت دائماً موقعاً في أفلام السينما اليابانية. يرمز ثري القرية مع عائلته الى السلطة التي تجنح أحياناً الى الديكتاتورية، في حين تضيف المخرجة بعداً عاطفياً حميمياً الى الشخصيات النسائية في فيلمها، وبالخصوص أُمّ الشاب ووصديقة عجوز حكيمة ربما فهمت كل شيء والتزمت الصمت، أما دور امرأة الثلج نفسها، فتلعبه المخرجة بانضباط، مخفية الحقيقة الأصلية لها وماضيها المجهول تحت وجه جميل جامد، قادر على الإغواء وربما على فعل أشياء مُروعة. ( الحياة )




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *