الطريق إلى إسطنبول .. رحلة المراهقين في أوروبا إلى التطرف

 

 

01

حميد عقبي

حاول المخرج الجزائري رشيد بوشاب، الغوص بنا في رحلة وجع الأم، حين تجد بنتها الوحيد تضيع منها وتهرب إلى تركيا لتتوجه إلى سوريا، حيث تتوهم أنها وجدت الإيمان وإخوة وأخوات سيهتمون بها وستجاهد معهم، كان نموذج بوشارب عائلة بلجيكية ليست لها أي علاقة بالثقافة العربية والإسلامية، فهذه الفتاة تعتنق الإسلام في السر وترتبط بشاب (قادر) من أصول مغربية، ثم تخوض مغامرة خطرة للوصول إلى «داعش» في سوريا.

هذا الموضوع المثير والحساس كان يستحق من المخرج نوعا خاصا من الممثلين، وألا تحدث أي هفوة، وقد تم توجيه انتقادات طالت الفيلم وركزت على الممثلين الذين لعبوا الأدوار الثانوية، ولا يتقنون اللهجة السورية، فحدث نشاز وكان من الممكن معالجة هذه النقطة في المونتاج، رغم جهد الممثلة البلجيكية أستريد ويتنال التي قامت بدور الأم، وكذلك الممثلة بولين برليت دور (إلودي) إلا أنه يوجد فعلا خلل في الكاستينغ أدى إلى ضعف وترهل في الإيقاع.

الأم اليزابيث باحثة وعضو اتحاد كتاب المغرب وهي امرأة خمسينية مطلقة تربي ابنتها وتحاول فهمها، وهي مثل أي أم قد تكون قاسية بعض الأوقات، لكنها لم تتخيل أن ابنتها قد تعتنق الإسلام وتذهب أبعد من ذلك، حاول بوشارب أن يجعلنا نتعايش مع واقع بسيط، هذه العائلة تعيش في الريف، أي أنها شبه بعيدة عن التأثيرات الاجتماعية التي تخلقها المدن الكبرى، مع ذلك تكون الصدمة بما يوحي أن المخرج يريد القول بأننا مع طوفان الإرهاب الذي تقوى شوكته ويزداد تأثيره واصطياد الشباب وتجنيدهم معه، الأفكار كثيرة ومهمة لكن الفيلم لم يستطع أن يمررها كلها ضمن قوالب سينمائية معبرة. لعل روتين حياة الأم دفع إلودي المراهقة للبحث عن حياة أخرى فيها نوع جديد من التشويق والمغامرة. لتأخذ طائرة إلى قبرص مع صديقها. الخطوة الأولى في رحلة تنتهي في سوريا، حيث ستجد لها «الإخوة والأخوات» الدولة الإسلامية وهي ليست رحلة حب ومتعة، بل ذهاب دون عودة بمعنى من يخوض هكذا تجربة يكون قد قرر التخلي عن العائلة والأصدقاء والوطن.

السرية.. الانغلاق والجهل بهم

هكذا تتحول الفئة المراهقة إلى التطرف رغم معيشتهم في مجتمع غربي منفتح على الحياة. الصدمة التي تشعر بها الأم يصعب وصفها، ثم يزداد غضبها من السلطات البلجيكية التي تعلن عجزها عن العثور على الفتاة، تخوض الأم رحلة شاقة إلى بلد لا تعرفه لتتفقد جميع الفنادق والمقاهي في جنوب تركيا، محاولة شجاعة في قلب المستحيل: ثم محاولة دخول سوريا والذهاب إلى مدينة الرقة، في هذا الجزء المهم من الفيلم ترهلت الصورة وضعف الإيقاع لذلك فقدت النهاية بريقها. هذه المرأة تركت كل شيء لحماية ابنتها، وحلمها أن تعود بها وتراجع طريقة العلاقة معها وتستمع إليها أي تعترف الأم بأخطائها التربوية.

نعيش أجواء مختلفة من المناظر الطبيعية الخضراء البلجيكية إلى الغبار والجفاف قرب الحدود التركية السورية ومشاهد إطلاق النار، هكذا حاول المخرج أن يجعلنا نشعر بخطورة اللحظة، لكن لو أنه صور فعلا هذه المشاهد في أماكنها الحقيقية، لو أنه فعل ذلك لأحدث قوة وديناميكية مدهشة.

الممثلة أستريد ويتنال وضحت في بعض تصريحاتها الصحافية أن تصاعد الهجمات الإرهابية في عدد من العواصم الأوروبية كان الدافع لهذا الفيلم، لهذا فإن المخرج بوشارب لم يسع لعرض وتوفير الحلول الجاهزة والخيالية، وقال إنه يريد تسليط الضوء على أهمية التعليم والثقافة، والعلاقة بين الآباء والأبناء. أيا كان ما سيحدث، يجب أن يظل الاتصال حميميا ومتجددا. وكان هدفه تربويا ليتم عرض الفيلم في المدارس بحيث يساعد في الكشف عن الخطاب الجهادي.

لعل هذا يوضح أسباب خسارة الفيلم في عدة مهرجانات، وقلة حفاوة النقاد به في فرنسا، فجمهور بوشارب كانوا ينتظرون فيلما يحوي جماليات ولغة سينمائية متميزة، ولكن المخرج لم يتوغل في هذه المنطقة وقدم أسلوبا سهلا لغرض وصول الرسالة واضحة وصريحة.

نختتم مع ما طرحته الممثلة الشابة بولين برليت، حيث أعربت عن بهجتها للدعوة في المشاركة بالفيلم مع المخرج رشيد بوشارب، وتمنيها أن تصل رسائل الفيلم إلى المتفرجين كونها مهمة. وترى أننا مع قصة تلامس أحاسيسنا وكانت تجربة مهمة تعتز بها، ثم توضح أن من ضمن دوافع هذه الفتاة وتورطها في شباك «داعش» عدة عوامل ربما أهمها الحرمان وغياب الأب وضعف الثقة في النفس، هذا الضعف والوهم بحياة خيالية لكن الحقيقة عكس ذلك، ثم تتعمق لتحليل شخصية إلودي وتوضح أن من يعتنق دينا ويخرج من دينه يشعر بقوة يظنها خارقة، وهكذا يتشكل ويحدث التحول المهم في شخصيته، وعن تجربتها مع الحجاب ذكرت أنها شعرت بوجودها في قلب عالم عجيب خلال مشهد الحديث مع الأم عبر السكايب، وشعرت بالخوف والرجفة وسيظل هذا المشهد لصيقا في ذاكرتها إلى الأبد، فالشخصية المحجبة من وجهة نظرها تختفي وتُخفي الكثير من ملامحها وتنغلق على ذاتها.

……..

٭ ناقد يمني




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *