“لالا  لاند”  أو نخب الحالمين

 

999999

 لنا عبد الرحمن

 

يستهل فيلم ” لالا لاند”  الأحداث بمشهد استعراضي في الشارع، وسط زحام يوم مشمس حيث السيارات، والطريق الطويل الممتد، والأشخاص الذين يتخلون عن وجودهم خلف المقود لينزلوا ويغنوا في الشارع، هذه البداية تحيل مشاهد  الفيلم، ومن لا يعرف عنه شيئا إلى إدراك الحضور الموسيقى والاستعراضي كبطل أساسي في الفيلم، ثم مع معرفتنا أن كلا البطلين له أحلام كبيرة في الفن يكتمل انسجام المشهد.

الفيلم من كتابة وإخراج  داميان شازيل، وبطولة “ايما ستون” التي قامت بدور ميا، و”ريان غوسلينغ” في دور سبستيان. تبحث ميا _التي تعمل نادلة في مقهى_ عن مكان لها في عالم السينما، إلا أنها  تخفق في كل تجربة إداء، أما سبستيان عاشق موسيقى الجاز الحالم بافتتاح مكان يقدم فيه الجاز فقط، فإنه يُطرد من عمله في كل مرة لأنه لا يقدم موسيقى جماهيرية  يرضى عنها حضور المطاعم والنوادي الليلية. كلا البطلين يحتاج للفرصة التي تساعده على تحقيق أحلامه والانتقال بها من حيز الأفكار إلى الواقع، لكن المسافة بينهما طويلة.

إنها أزمة الفن إذن؛ التي من المفترض أن يتمحور حولها الحدث الرئيس، لكن بالترادف مع هذه الأزمة يتقاطع مصير البطلين في قصة حب تأخذ سيرورة الأحداث نحو منعطف آخر، حيث جملة : “نخب الحالمين مهما بدوا اغبياء،لا بد من بعض الجنون” التي تقولها ميا – في إحدى تجارب الإداء التي تقوم بها- يمكن اعتبارها جملة ملهمة سواء في الحياة أو العالم الفني.

02

الموسيقى،الشغف،الحب،الاحلام،  الطموح، التجاذب،تتداخل معا لتُكون عالم ” لا لا لاند”، ربما تبدو هذه الحبكة بسيطة وسبق تناولها من قبل، خاصة جانب الحب المتأرجح أمام موجات الواقع الثقيلة، ولطماته التي تُجبر  الحبيبين على الانكسار، لكن يمكن رؤية معالجة مختلفة  حرص المخرج على ايصالها للمشاهد من خلال تفاصيل كثيرة منحت الصورة بعدا جماليا من دون أن يكون لها تبريرا على مستوى الحبكة سوى الحنين لعصر مضى مثل اختيار أزياء البطلة التي تنتمي لزمن الخمسينات، كذلك السيارة المكشوفة التي يقودها سبستيان مع أن الأحداث تدور في العصر الحديث فالأبطال يستخدمون الهاتف المحمول، ومدينة لوس أنجلوس مسرح الأحداث   تبدو في شكلها الحالي، وليس الماضي . هناك أيضا موسيقى وأزياء البيتلز التي يرتديها سبستيان في احدى الاستعراضات.

الرقصات لا يوجد فيها ابتكار، سواء رقصة الفالس وظهور ميا مرتفعة عن سطح الأرض متحررة من الجاذبية في مشهد فانتازي، أو استخدام النجوم كخلفية في الرقصات الأخرى، لكن الموسيقى أكثر من رائعة، ومنسجمة مع المشاهد سواء في معالجة أحداث الحاضر أو ” الفلاش باك”.

دورة الزمن

استخدم المخرج لعبة فصول السنة لتقسيم الأحداث، حيث عنون بداية كل تطور في علاقة ميا وسبستيان بفصل، وسمح للمشاهد بتخمين أن كلمة فصل الخريف، ستكون مؤشرا لتحول العلاقة، ثم عبارة ” بعد مرور خمسة أعوام” إلى أن تحول جذري سيحدث لكليهما.

لعل السؤال الذي يطرحه ” لالا لاند” سواء عن الحب أو الطموح، إن كان الحب فعلا له ذروة تحقق يأفل بعدها ويعود الأحباء إلى الواقع الذين ينشدونه، سواء كان هذا الواقع حلم ما يسعون خلفه، أو أي شيء آخر يشبع دواخلهم؛ ولا يمكنهم الاكتفاء عنه بالحب فقط..تتمكن ميا من الانتصار لحلمها بالتمثيل بمساعدة سباستيان الذي يدفعها دفعا وراء طموحها، تصير نجمة حقيقية، لكنها تفترق  عن حبيبها، وتُكون عائلة برفقة رجل آخر، ويستمر سبستيان في العمل في احدى النوادي الليلية كعازف جاز مع فرقة موسيقية ناجحة جدا، فمن منهما أكثر سعادة؟ هذا السؤال يظل مفتوحا مع مضي كل منهما في مساره ليتمم ما بدأ به.

ارتكز المخرج على مشاهد جمالية في الصورة، لون الشفق القرمزي، الجبال، الوديان، التدرجات اللونية في الأفق، الحركة السريعة في الكاميرا التي لا تربك العين بل تضفي حيوية على المشهد، أيضا الاستعانة بالموسيقى الصاخبة أحيانا في أغنية ” يوم مشمس آخر” وتكرار الجملة، في نفس الوقت انتظار المشاهد لما سيقلب دفة الأمور كلها،لكنه في هذه النقطة قام بقفزة زمنية مفاجئة لا ترتبط بالواقع الراهن، مع مشاهدة ميا تعيش في بيت كبير مع زوجها وابنتها الصغيرة، وكأن المخرج عمد إلى تكريس حالة الفرح والعبور السريع على الطموح والفراق  الذي أدى إلى نهاية العلاقة بين سبستيان وميا.

يمكن اعتبار نجاح لالا لاند  مؤشرا على اشتياق الجمهور للرومانسية الشكلية البسيطة البعيدة عن حكايات الحب والجنس المركبة نفسيا والمتداخلة التي تطرح تساؤلات وتحمل مواجهات مع الذات والآخر وفق أسلوب “التبئير” عميقا نحو الداخل، بينما “لالا لاند”، يعالج الأحاسيس بناء على الوقائع والتحولات الجارية في الحياة، ويمنح مشاهده نوعا من البهجة في سحر الموسيقى والصورة، الرقصات، الحركة،الألوان، الحوارات المقتضبة والثرية في آن واحد رغم الاستطرادات الممملة أحيانا، لكنه لا يترك المشاهد يغادر القاعة وهو مهموم بمصائر الأبطال حيث عمد كاتب السيناريو إلى تقديم نهاية منطقية بعيدة عن الرومانسية، بل تقارب الواقع وتخضع له من دون ترك الماضي مجروحا بأسئلة أو محملا بندوب، بل بذكريات حميمة فقط.  وإن بدت هذه النهاية أيضا متشابهة مع نهايات أعمال أخرى يظل السؤال الحقيقي إن كان من وظيفة الفن ايجاد نهايات أخرى تنبثق من رؤى مغايرة، أو الامتثال للخيارات المنطقية المنسجمة مع الرسم الكلي لشخصيات الأبطال؟

 

 




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *