البطل السياسي يعود للرواية العربية

ازدهرت الرواية السياسية في أزمنة وعصور مختلفة،كان الهدف منها إيقاظ وعي الشعب، وتحفيز الجماهير على التمرّد ضد الاحتلال الأجنبي أو ضد الحاكم المستبد، وقد أبدع الأدباء في هذا النوع من الرواية السياسية، وقدّموا كثيراً من الأعمال التي لا تزال حتى اليوم من أهم الإبداعات الأدبية التي تركت أثراً في المجتمع.

ومازلنا نذكر روايات “ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ، و”في بيتنا رجل”لإحسان عبدالقدوس، و”الأسرى يقيمون المتاريس” لفؤاد حجازي، و”تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم، و”المصري الفصيح” ليوسف القعيد، وغيرها من الأعمال الأدبية.

في إحدى حواراته قبل رحيله، تذكر الكاتب الكبير نجيب محفوظ إحدى الحوادث بقوله: الذي أتذكره أن ثروت عكاشة كان يستعد للسفر إلى أوروبا حين سأله عبدالناصر: هل قرأت “ثرثرة فوق النيل” فأجابه: لا.. ليس بعد. فقال عبدالناصر اقرأها وقل لي رأيك، ولذلك أخذها معه ثروت عكاشة وقرأها وفهم سبب سؤال عبد الناصر، كان سؤالاً غاضباً، وقد خشي ثروت من أن يصيبني ضرر ولو كان بسيطاً كالإحالة إلى التقاعد، أو نقلي إلى مكان آخر، وقابل عبدالناصر حين عاد، وقال له: يا سيادة الرئيس أصارحك بأنه إذا لم يحصل الفن على هذا القدر من الحرية فلن يكون فناً، فقال عبدالناصر: وهو كذلك اعتبر الأمر منتهياً.

يمكن القول أنه منذ أواخر الثمانينات تراجع حضور  الرواية السياسية في الأدب العربي، والمقصود هنا الرواية التي تتناول قضايا سياسية بشكل مباشر، وذلك يعود لعدة أسباب أبرزها انتهاء حقبة الاستعمار المباشر، سقوط الايديولوجيات الكبرى، وانتهاء الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، وبداية زحف العولمة. وجد الروائي العربي نفسه في مواجهة مباشرة مع أنظمة مستبدة لم يكن بامكانه الكتابة عنها بالنقد الواضح والمباشر، لذا لا نجد في روايات الثمنينات والتسعينات حوارات سياسية طويلة ومباشرة بين الأبطال، في حين نجد مجموعة من الأساليب السردية التي وسمت انتاج تلك المرحلة أبرزها اللجوء إلى الفانتازيا، والتجريب في السرد، للحديث عن السجون  و المعتقلات  واستبداد السلطة و انعدام الديمقراطية.

في المقابل استمر حضور الحرب، وتمركز الحوارات السياسية في بعض الروايات العربية كما في الرواية اللبنانية مثلا، نتيجة وجود معاناة للشعب اللبناني مع الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، ثم استمرار الحرب الأهلية حتى أوائل التسعينات، لذا يكتشف قارئ الرواية اللبنانية أنه تكاد لا توجد رواية تخلو من سيرة الحرب، ولا يوجد بطل غير مأزوم من الهم السياسي.

هذا ينطبق بشكل أو بآخر أيضا على الرواية الفلسطينية، حيث النتاج الروائي الفلسطيني يتسم غالبا بالحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، أو معاناة الفلسطينين في الأوطان التي لجأوا إليها.

مع اندلاع الثورات العربية، أوما اتفق اصطلاحا على تسميته “بالربيع العربي”، نلاحظ عودة الرواية السياسية التي تتناول الهم السياسي بشكل مباشر، عبر مواقف وجدالات طويلة بين أبطالها حول الماضي والحاضر، مراجعة الماضي بكل أفكاره ومعتقداته،وقراءة الحاضر ومحاولة تحليل ما يحدث واستيعابه، هذا ما نجده مثلا في رواية “الطلياني” للكاتب التونسي شكري المبخوت الفائزة بالبوكر عام 2015.

في مصر ظهرت العديد من الروايات التي اتسمت بالواقعية والحديث المباشر عن الثورة، والنظام السياسي منها : “سقوط الصمت”، لعمار على حسن، التي تناولت بسرد ملحمى تفاصيل  واقعية فى ثورة 25 يناير، ثم طرحت رؤيتها للمستقبل من خلال أبطال الرواية. كذلك رواية ” باب الخروج” للكاتب عز الدين شكري فشير.

أما رواية “ديجافو نمرة تسعة” لأحمد يوسف شاهين، فإن بطلها هو طبيب شاب الطبيب يدخل في  غيبوبة طويلة  ويعود منها بعد مرور خمسة عشر عاما من ثورة يناير، ولعله من البين أن الاصدارات الروائية  التي تناولت ثورة يناير وما تلاها من أحداث، لا يمكن حصر حتى  عناوينها في تحقيق أو مقال.

 

أما في الرواية السورية فقد ظهرت عدة أعمال تتناول الثورة السورية منها رواية خالد خليفة ” لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، ” وقصر المطر” لممدوح عزام،و” السوريون الأعداء” لفواز حداد.

 

الرقابة والإبداع

وحول ازدهار هذا اللون الأدبي، يرى الناقد د. الطاهر أحمد مكي ، أنه يرتبط بوجود رقابة صارمة على الإبداع على نشره لا كتابته، فكلما ازدادت قبضة الرقابة بحث المبدعون عن طرق فنية جديدة يقولون فيها كل شيء، دون أن يلاحظ الرقيب أنهم قالوا شيئاً، فالرقابة أحد عوامل الابتكار الفني، كما أنها تجعل الكاتب يحتمي بالفن، ولا يكتب أدباً مباشراً، وهذا الإبداع المتدثر بالفن يكتب له البقاء بصرف النظر عن تغيّر الأوضاع السياسية.

ويرى د. أحمد عبدالحميد، أستاذ الأدب العربي بجامعة طنطا: أن الأبطال السياسيين أو ذوي الميول الفكرية والاتجاهات السياسية والحزبية قادرون على كشف أفكار الكاتب، أو على فضح نظام ما.

ويشير إلى أنه إذا كان نجيب محفوظ وجيله قد تناولوا البطل السياسي وكتبوا عنه من واقع مشاهداتهم وقراءاتهم وتصوراتهم، فإن هناك جيل آخر هو جيل الستينيات ذاق بعض أدبائه مرارة السجن، وتعرّضوا لضغوط سياسية واجتماعية ونفسية أدت ببعضهم إلى الهجرة، وبالتالي كان البطل السياسي في أعمالهم أكثر صدقاً مع النفس، وأشدّ التحاماً بالواقع، ولغته ليست متعالية، ولكنها نابعة من الشارع وتعود إليه.

فقد كتب صنع الله إبراهيم روايته القصيرة “تلك الرائحة”، وفي الرواية نتابع هذا البطل قبل خروجه من السجن وأثناء الإفراج عنه وإعراض الجميع عنه بعد الخروج، إلى أن يجد حجرة، وفيها كان ينتظر الجندي صباحاً ومساء ليوقّع له مؤكداً وجوده، وقد كتب الرواية بأسلوب محايد تماماً، فليس فيها صراخ، ولا شعارات مضادة للنظام، ولا تدعو لحكم بديل، وإن كانت مكتوبة بصراحة لاذعة فهي لا تكذب ولا تتجمّل.

بطل ضائع

وتقول د. أميمة إبراهيم، أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس: الرواية السياسية لا يمكن أن نضعها في مصطلح السياسة فقط، لأن عنصر السياسة الآن هو الحياة التي نعيش كل لحظاتها، حتى القصص القصيرة العادية والأغاني العاطفية تجد فيها بعضاً من ملامح المناخ السياسي، وقد حاول الأدباء منذ ازدهار الرواية ونشأتها أن يصلحوا قضايا المجتمع ومشاكله، فرواية “زينب” وهي من البدايات الأولى لنشأة فن الرواية تعد من أهم الأعمال الأدبية الممتزجة بالأفكار السياسية والاجتماعية، وقد كتبها محمد حسين هيكل في وقت انتشرت فيه الأمية والفقر والمجاعات وسيطر المستعمر الأجنبي على كل مصادر الثروة في البلاد.

ويمكن أن نطلق على رواية “قنديل أم هاشم” للراحل يحيى حقي أنها من أهم الروايات السياسية القصيرة التي تقدم لك البطل الذي يدرس بالخارج ويتأثر بالغرب، ويحاول تطبيق أفكاره على أهله في مصر، وفي أحياء منطقة السيدة زينب، فنجد البطل ينظر إلى واقعه باشمئزاز وكبرياء ولا يحاول أن يتواصل مع البسطاء، وإنما يصفهم بالجهل، ويفقد الصلة مع واقعه، ويظل ضائعاً في مجتمع كتب عليه الخضوع للجهل والمستعمر الأجنبي، ولذلك كان يجب على البطل أن ينحاز إلى قضية وطنه الأساسية، وهي تنوير عقول الناس ومساعدتهم على الخروج من الأزمة السياسية والاجتماعية.

القاهرة : خاص




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *