التسوّق هواية وتحرر للنساء منذ القرن التاسع عشر

لم يكن التسوق أو كما يُطلق عليه “الشوبينغ” بالنسبة للمرأة مجرد هواية أو رغبة داخلية تشبعها، بل أكثر من ذلك، حيث كان من الأسباب الرئيسية لتحرر امرأة القرن التاسع عشر، وحصولها على حقها في الخروج والتخلّص من قيود العادات والتقاليد المفروضة عليها في ذلك الوقت.

وكما هو الآن وسيلة للتحرر من القيود النفسية التي تفرضها الظروف الصعبة على المرأة، فقد كانت المرأة تلازم المنزل طيلة الوقت، لا تخرج مهما كان الداعي لذلك، ولا تتذوق طعم الحرية إلا خلال الأوقات التي كانت تذهب فيها إلى التسوق، لذلك ظل التسوق محافظا على مكانته لدى غالبية النساء إن لم يكن جميعهن كوسيلة للتحرّر من القيود الحياتية والنفسية مع تطور أهدافه بتطور الأزمنة، فبعد أن تحرّرت المرأة وأصبح بإمكانها الخروج من المنزل للعمل والتنزه، أصبح التسوق وسيلة للتخلص من القيود النفسية والضغوطات التي يفرضها عليها محيطها وتحسين حالتها المزاجية.

تقول د. سهير الدمنهوري، أستاذة تطور المجتمعات بجامعة حلوان: “تعدّدت عوامل تحرّر المرأة خلال القرن التاسع عشر، ما بين المناداة بذلك من قبل بعض الكتاب والساسة، وما بين تمرد المرأة ذاتها على العادات والتقاليد، والمحاولات البسيطة التي كانت تقوم بها من أجل الحصول على حريتها، كأن تدافع عن حقها في التعليم، إلى أن جاءت لديها فكرة الخروج للتسوق، كوسيلة من الوسائل التي يمكن استخدامها من أجل التحرّر”.

وتتابع الدمنهوري “وبالفعل أصبح التسوق منبرا للحرية تصعد له المرأة كلما تعطشت لها، فقد كانت الكثيرات من النساء في هذا التوقيت، لا سيما نساء الطبقة المتوسطة يتخلين عن الاعتماد على أخريات لجلب مستلزماتهن الخاصة من الخارج، وبدأن ينخرطن بأنفسهن في الحياة خارج المنزل من خلال الذهاب إلى أماكن التسوق، لشراء ما يرغبن فيه من ملابس ومأكولات، حيث كانت هناك بعض العادات والتقاليد يتحاكمون لها أصحاب الطبقة المتوسطة، يقع في مقدمتها أن المرأة ليس لديها الحق في التعليم أو الخروج من المنزل لحين الزواج، وحتى بعد زواجها كان يرى زوجها أن منعها من الخروج يُعدُّ كحفاظ عليها وليس قمعا لها، لذلك كان يمارس دور الأسرة ويطبق عليها كافة العادات والتقاليد التي تربت عليها دون استثناء”.

وتضيف د. سهير: منعت المرأة أيضا من التحدث في السياسة، باعتبار أن الحديث في تلك المجالات منسوب أكثر للرجال، وكونها تتحدث في أمور ذكورية فهي بذلك تتشبه بهم، وكان هذا مرفوضا أيضا وفقا للعادات والقواعد التي تربين عليها، حتى انتشرت فكرة التسوق بين أسر الطبقة المتوسطة، وكانت بعض السيدات اللواتي تمتعن بقدرات على إقناع أهلهن بالتردد عليها بين الحين والآخر يذهبن لشراء كل ما يحتاجنه ويعرضن هذه الأشياء على صديقاتهن، وكن يقومن بتحريضهن على الخروج، لا سيما أن أصحاب هذه الصالات كانوا سيدات، الأمر الذي شجع بعض الفتيات على مطالبة أهلهن بالسماح لهن بالخروج للتسوق، كما أن صاحبات هذه الصالات كن ينشرن فكرة التسوق عبرهن للمتزوجات وغير المتزوجات في فترات معينة خلال اليوم، وهو ما دفع بعض الأسر على الموافقة، شريطة مصاحبة أحد أفراد الأسرة للفتاة أثناء ذهابها وإيابها من وإلى صالات التسوق.

وعن التأثير الذي أحدثه خروج المرأة للتسوق على حياتها، يشير د. حسام زكي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة المنيا، إلى أن التسوق خلق للمرأة حياة اجتماعية جديدة، وبدل نظرتها لذاتها من السجينة إلى المتحررة التي أصبح بإمكانها التحرّك بحرية، لذلك كان حبها له لم يكن حبا فارغا، بل جاء بتأثيراتها النفسية عليها، حيث كانت المرأة تدافع عن رغبتها في التسوق ليس لرغبتها في الخروج من المنزل والشعور بالحرية فقط، وإنما رغبت أيضا في التخلص من العادات التي كانت تُشعرها بالضيق والتذمّر، وتحرمها الشعور بالمتعة والراحة.

انطلاق بلا حدود

لذلك قاتلت امرأة القرن التاسع عشر من أجل انتزاع حريتها ومتعتها، خاصة وأن التزام أسر الطبقة المتوسطة بهذه العادات وصل لحد منعها من ملاقاة صديقاتها، وهو ما جعل صالات التسوق بالنسبة لهن ليس فقط مجرد مكان لشراء احتياجاتهن، إنما كانت أيضا مكانا للقاء الصديقات والأقارب والتنزه وتناول الأطعمة والمشروبات، إلى أن تطور هذا الأمر وأصبح الخروج إلى الأسواق العامة والمعارض الكبيرة أمرا طبيعيا، مما عاد على حالتها النفسية بالإيجاب وجعل من حياتها خارج المنزل عالما آخر يضج بالصداقات والمعارف.

ويوضح زكي، أن خروج الفتيات للتسوق في المعارض والأسواق الخارجية، دفع الأمهات وربات البيوت أيضا فيما بعد للخروج، ومنها قبل الأهالي لفكرة خروج المرأة، وعاد هذا الأمر على حالتها النفسية وعلاقاتها بصورة إيجابية، حيث شعرت المرأة حينها بالانطلاق، وظلت تدافع عن حريتها حتى تطرّقت إلى الحديث عن الخروج للعمل مقياسا بالخروج للتسوق، فهي وجدت متعة في الدفاع عن حقوقها، وساعدها ذلك على تكوين حياة اجتماعية بصورة أكثر انفتاحا تسير بالتوازي مع حياتها الأسرية داخل المنزل.

 

القاهرة : وكالة الصحافة العربية




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *