سينما واقعيّة لأحياء عشوائية في مانيلا

اللقطة الأولى فقط هي الخارجة عن كل أجواء الفيلم المصوّر في موقعين: الأول في واحد من أحياء العاصمة الفلبينية، مانيلا، الأشد فقراً، والثاني في مركز شرطة في المدينة. اللقطة الأولى تكون في سوبرماركت كبير ومزدحم، في وقت نهاري، الإضاءة عالية، الألوان زاهية، الاستهلاك للمتزاحمين في المتجر على أشده. يدوم المشهد لدقيقتين أو ثلاث دقائق، ومن بعده ندخل إلى عالم الفيلم النقيض تماماً لذلك، هو العالم الذي تعيش فيه روزا وزوجها وأولادهما، في حي فقير، في بيت بائس، هو بيتهم وهو كذلك دكّانهم الصغير الذي يبيعون فيه سكاكر وأكياس بطاطس مقلية (شيبس)، في تناقض ظاهر مع السوبرماركت الذي تشتري منه روزا ما تبيعه في حيّها.

لكن ليس الأساس في الفيلم هو إظهار هذا التناقض، إنّما كان التناقض هذا مقدّمة سريعة إلى عالم مختلف تماماً، كأنّ الفيلم أراد بلقطته الأولى القول بأنّ هنالك عالما مجاورا للأضواء والمشترين والاستهلاك، هو عالم في القاع، صوّره الفيلم في حيّ فقير مزدحم كذلك إنّما بأهله والبؤس الذي يعيشونه، وكذلك في مركز شرطة فاسدة، أو تحديداً في غرفٍ خاصة في مبنى الشرطة ذاته، إنّما يتم الدخول إليها من الخلف، بممرات طويلة، هناك يتم سراً احتجاز «المتهمين» دون تسجيلهم، وابتزازهم لدفع رشاوى كي يتم إطلاق سراحهم.

روزا (الفلبينية جاكلين جوز التي نالت عن دورها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «كان» الأخير) وعائلتها يعتاشان من دكّانهما، لكنهم كذلك يبيعون نوعاً من المخدّرات دون أن ينتشلهم ذلك من حالة الفقر المدقعة التي يعيشون فيها. تلقي الشرطة القبض على روزا وزوجها، يتم اقتيادهما إلى غرف خلفية حيث يوجد تلفزيون وكمبيوترات وطفل مشغول بالفيسبوك وسرير وما يمكن أن يرفع عن المكان صفة مكتب تحقيقات أو حجز ويجعله مكتباً غير رسمي، وقد لا تعرف به السّلطات. هناك يتم مساومة روزا وزوجها على مبلغ لا يملكانه، وهو 200000 بيزو كرشوة لخروجهم، فتجعلها الشرطة تتصل بمزوّدها من المخدرات تطلب منه إحضار بعضها. توقع الشرطة به وتجد في حقيبته كمية كبيرة، فتساومه على خروجه برشوة بالمبلغ ذاته، يؤمّن الرجل ثلاثة أرباعه، يبقى الربع الأخير الذي تُجبر الشرطة روزا على تأمينه كي تخرج هي وزوجها. وذلك كله ضمن عنف لفظي مخلوط بالسخرية، وعنف جسدي مورس على المزوّد، حالة من الفوضى تعيشها الغرفة، أناس غير مسؤولين إنّما مسلّحون ويتكلمون باسم السلطات، يمارسون الفساد في أقبية داخلية في مبنى الشرطة، حالة جديدة على روزا وعائلتها، المسالمين والمعروفين في كل الحي، يزيد على بؤس فقرهم بؤساً جديداً هو اعتقالهم وطلب مبلغ اقترح ابنها بيع البيت لتأمينه.

حينها، يبدأ أولادهما الثلاثة بتجميع المبلغ المطلوب لإخراجهما، يبيعون التلفزيون، وموبايل الابنة، يستدينون مبلغاً من أقارب وأصدقاء، والابن الأصغر يعرض نفسه على رجل يأخذه إلى غرفة في فندق ويعطيه مبلغاً كبيراً.

للفيلم اسم بطلته، روزا، الكل في الحي يعرفها، امرأة بشخصية قوية وهي كما يبدو المسؤولة عن عائلتها، المتخذة للقرارات، وليس زوجها، فكان الفيلم، كما هو عن فساد الشرطة وحالة الفقر في مانيلا، هو كذلك عن المرأة القوية المسؤولة المواجهة لحالة الفقر من ناحية وتعسّف الشرطة من ناحية أخرى، وهذه الأخيرة يمثّلها ذكور وحسب.

أمّا فنياً، فقد اختار المخرج أسلوباً هو الأنسب لموضوع كهذا، الكاميرا محمولة على الكتف، اهتزازات الصورة دائمة، وتركيز الصورة (الفوكَس) غالباً ما يبدو تلقائياً لا يلتقط الصورة بأشد حالتها دقّة، المشاهد طويلة، ولا إطارات ثابتة، بل كانت، بتحرّكها وكَون الكاميرا على الكتف، مليئة بـ»الأخطاء» أو الأجسام المتطفّلة على الصورة، أو على الأجسام التي يتم تصويرها، وكل ذلك أتى بشكل مناسب تماماً لموضوع الفيلم الذي كان، شكلياً، أقرب للوثائقي منه للروائي، حتى فلترة الصورة كانت أقرب للوثائقي، بألوان باهتة ودون إضاءات زائدة.

وزاوية التصوير أتت كذلك في خدمة فكرة التوثيق الذي أراده المخرج، كما يبدو نقلاً واقعياً حقيقياً لما يجري في أحياء مانيلا الفقيرة، وتحديداً في أروقة مباني الشرطة في المدينة. فكانت زاوية التصوير ذاتية، كاميرا تلحق الشخصيات في حركاتهم وفي كلامهم، كأنّها شخصية إضافية في المشهد، أو كأنّها عين المُشاهد، يرى بها ما يحصل، كأنه شاهد عليه. لذلك كانت في حركة دائمة، كحركة رأس أحد المتابعين لمشهد حي أمامه، مكوّناً رأياً ذاتياً حياله. نضيف إلى ذلك أن العديد من اللقطات كانت من أسفل، أقرب إلى الوحل على الأرض، إلى القذارة، إلى المجتمع السفلي الذي صوّره الفيلم، في مكانيه الأساسيين: الحيّ الفقير ومكتب الشرطة.

الفيلم للمخرج الفلبيني بريلانت ميندوزا، صاحب مشاركات عدّة لأفلام سابقة في مهرجانات «كان» و «برلين» و «فينيسيا»، وقد نال عن فيلمه «كيناتاي» جائزة أفضل مخرج في مهرجان «كان» عام 2009. فيلمه هذا، «ماروزا» (Ma’ Rosa)، شارك في مهرجان «كان» الأخير، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

سليم البيك :القدس العربي




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *