عروس النيل .. أسطورة من معتقدات فرعونية

 

المصريون القدماء، كانوا يسعون دائما لإرضا ”النيل” وتقديم القرابين لما يمدهم به من حياة، ولكونه الباعث الرئيسي للحضارة الفرعونية، فكانت تقدم له أغلى ما يملكه الفراعنة، وهن الفتيات الجميلات من أبنائهم، حيث يتم اختيار واحدة منهن يوم الفيضان من كل عام ويطلق عليه يوم وفاء النيل، ويتم تزيين أجمل الفتيات ويطلقون عليها “عروس النيل”، ويتم إلقاؤها في النيل كنوع من التضحية البشرية التي تقدم للنهر العظيم .

ترجع أسطورة “عروس النيل” إلى حكم الملك زوسر أحد ملوك الأسرة الثالثة، والذي حل في عهده القحط والجفاف، نظرا لعدم وفاء النيل بيوم فيضانه، ولم يكن أمام الملك سوى أن يطلب رأي أحد الكهنة في تفسير امتناع النيل عن الفيضان هذا العام، وكان رد الكاهن بأن النيل في حالة غضب شديد لكونه يريد الزواج من فتاة جميلة، وعليه قرر الملك إحضار جميع الفتيات الجميلات من كل أنحاء البلاد، وتم اختيار أجملهن لتقديمها قربانا لإله الخير، ذلك الاسم الذي كان يطلق على النيل لتأثيره الكبير على حياتهم، وكانت الفتيات يزين أنفسهن استعدادا لذلك اليوم من كل عام، وتحظى الفتاة الأجمل بإقامة عرس لها لكي تُزف إلى إله الخير، وبعد إنتهاء مراسم الاحتفال، تقوم الفتاة بإلقاء نفسها في النيل، على أمل لقاء حبيبها الإله في الحياة الأخرى.

قربان للوفاء

يقول د. أحمد سعيد، أستاذ الحضارة المصرية القديمة بجامعة القاهرة: فكرة التضحية البشرية لدى المصريين القدماء كانت اعتقادا راسخا يجلب لهم الحياة، وحفاظا منهم على نمط الحياة الأخرى بعد البعث، فقد كانوا يقتلون الحراس والخدم بعد موت ملكهم، حتى يقوموا بوظائفهم والعناية به في العالم الآخر، لذلك كانت فكرة تقديم الفتيات الجميلات كقربان للنيل لضمان وفائه بالفيضان نوعا من التضحيات البشرية التي قدمها قدماء المصريين، كما كان الاعتناء بالحياة والاستقرار من أهم الأسباب التي دفعتهم للإحتفال بيوم وفاء النيل وتقديم التضحيات البشرية من الفتيات الجميلات، ذلك اليوم الذي كان يحدث فيه الفيضان في فصل الصيف من كل عام، فقد كان ينتظره الفراعنة لإخصاب أرضهم ولتخزين الكمية المطلوبة من المياه لإنبات المزروعات على مدار العام.

وكذلك كانوا يتخذون النيل إلها للخير لتأثيره الكبير على حياتهم، حيث كان حلقة الوصل بين قطبي مصر، ورابطا قويا بين كافة أنحائها، بالإضافة إلى أنه كان وسيلة للتبادل الثقافي والتنقل، لذلك اعتبروا يوم فيضانة وفاءً منه لهم، يستحق التضحية بأغلى ما يملكونه، فقد كان مصدر الإطعام عند المصريين القدماء، ورمزاً للحياة والخصبة، أيضا كان النيل بالنسبة لهم وسيلة لغسل الموتى وتطهيرهم، ومصدر لسعادتهم وابتهاجهم، وهو ما جعلهم أكثر اهتماما به فقد أصبح بنظرهم شريان الحياة الذي يعاونهم على البقاء ويلبي احتياجاتهم، ما دفعهم إلى تقديم قربانا له أسموه بـ “عروس النيل” تلك الفتاة الجميلة المزينة.

ويوضح سعيد، أن بداية “عروس النيل” كانت عندما تخلى النيل عن الشعب الفرعوني ولم يحدث الفيضان، فكان لا بد من إيجاد تفسير لذلك، فقد أتي الملك زوسر أحد ملوك الأسرة الفرعونية الثالثة، بكبار الكهنة وطلب منه الإطلاع على سبب عدم فيضان النيل، لأن الشعب قد جاع وعانى الفقر وأصبحت الأراضي جدباء، فقد كان على الملك حينها أن يتولى مسئولية الخروج بالشعب من هذا المأزق الذي كان على وشك الإطاحة بالحياة الفرعونية، ورغم قدسية الملك لدى الشعب إلا أنه كاد أن يثور عليه لولا أن جاء بالحل، والذي طرحه عليه الكاهن بأن النيل في حالة غضب شديد لكونه يريد الزواج من فتاة بكر شرط أن تكون ذات جمال بالغ، وتجرى احتفالات ضخمة عند تقديمها له حتى يمكنه الفيضان كل عام.

وبالفعل تم دعوة كل الفتيات الجميلات لإختيار أجملهن، وفي كل عام كانت تقام الاحتفالات، إلى أن انتهى الحال بابنة الملك “إيجيبتوس” الذي كان يحكم مصر حينها فقد كانت أكثر المتبقيات جمالا، فأصبح على الملك الاختيار بينها وبين إله الخير والإلتزام بالمعتقدات الفرعونية الأصيلة، فقرر الملك التقدم بابنته كقربان للنيل حتى يفيض، ولكن خادمة الأميرة لم تستطع التضحية بها فقد كانت لا تنجب، وتريد أن تحتفظ بالأميرة لتكون ابنتها، فصنعت فتاة خشبية وقامت بتزيينها وطلبت من الجميع أن تزف أميرتها الخشبية إلى إله الخير بنفسها، وبالفعل تم ذلك بعد إقامة الإحتفالات، وخبأت أميرتها في منزلها الخاص إلى أن مرض أبيها وكان لا بد أن تكشف عما فعلته لتعود إليه صحته وبالفعل عاد الملك لحالته ومنذ ذلك الحين توقف الفراعنة عن إلقاء الفتيات الجميلات في النيل، واكتفوا بالعرائس الخشبية أو ما يطلق عليها “عروس النيل”.

وأشار د. أحمد سعيد أستاذ الحضارة الفرعونية إلى التأثير الذي كان يعود على المصريين القدماء جراء التضحيات البشرية التي كانوا يقدمونها للنيل حتى يفيض، حيث كانوا يشعرون بالسعادة والفرح لكونهم يلبون رغبة إله الخير في الزواج من فتاة جميلة كل عام، فقد كانوا يعتبرون وفاء النيل بيوم الفيضان رضاءً منه عليهم، يلمسون ذلك في إنبات الأرض وجني الثمار، واستقرار البلاد الذي كان يترك لهم المجال لإقامة الاحتفالات والصلوات دائما دون خوف من الفقر أو الجوع، وبسبب النيل بحسب اعتقادهم ازدهرت الزراعة والتجارة وكان التبادل الثقافي في أعلى مستوياته.

من جانبه يلفت د. عادل عبدالعزيز، أستاذ التاريخ الفرعوني بجامعة الفيوم، إلى أن اختيار الفتيات الجميلات لإلقائهن في النيل كان يتم تقديرا له وإيمانا بدوره في الحياة والمعتقدات الفرعونية القديمة، فمثلما كان يقدم لهم الخير قدموا هم أيضا له أجمل الفتيات، لكون الجمال كان في مصر الفرعونية مصدراً للسعادة، وبحسب ما هو شائع بأن التضحيات البشرية تراجع عنها الفراعنة بعد انتهاء حكم الأسرة الأولى، ولكن ظلت التضحية بالفتيات قائمة إلى أن استبدلها “إيجبتوس” بالعرائس الخشب، فهي ضمن المعتقدات الوثنية التي آمن بها كافة الأسر الفرعونية لاستجلاب الخير، فقد كانوا يتعاملون مع النيل باعتباره إلها سيتم بعثه إلى الحياة الأبدية، وبالتالي كان لا بد من تزويجه بفتاة تؤنسه بعد البعث وتنجب له الأبناء.

وأضاف د. عبدالعزيز: ضمان الفراعنة لحياة هانئة لإله الخير بعد البعث كان يشعرهم بالسعادة، لكونهم أمدوه بوسائل البقاء، كما أن تجنبهم غضب النيل كل عام كان مصدرا للأمان، لذلك كان المصريون القدماء يشعرون بسعادة عارمة عندما يقعون على فتاة جميلة، فقد كانوا يعتبرونها حقا أصيلا لإله الخير، وفي المقابل كانوا يشعرون بالتعاسة إذا ما وجدوا صعوبة في إيجاد فتاة تستحق الزواج من إلههم، وعلى الرغم من المنافع التي تعود على مصر الفرعونية وسعادة الفتيات لزواجهن من إله الخير والحياة معه في العالم الآخر، إلا أن بعض الأهالي كانوا يعترضون على التضحية ببناتهم، ولكن كانت المواجهة بينهم وبين الملوك خاسرة، لذلك لم يحاولوا قط إبداء اعتراضهم على التضحية بفتياتهم، ولم يكن لديهم من سبيل سوى الصمت والالتزام بالمعتقدات السائدة.

القاهرة : سمية عبدالهادي

(خدمة وكالة الصحافة العربية)

 




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *