جوزيف بوليتزر مؤسس الصحافة الصفراء والفضائحية

 

من المدهش أن يكون جوزيف بوليتزر، مؤسس أرقى جائزة في حقول الصحافة العالمية، وفي الحقول الأدبية والفنية، التي تحمل اسمه، وهي جائزة «بوليتزر»، التي تمنح سنويا من قبل جامعة كولومبيا في نيويورك، هو نفسه المؤسس الرئيسي للصحافة الصفراء والفضائحية في الولايات المتحدة! كيف أصبح أمر كهذا مقبولا في الأوساط الإعلامية العالمية والأكاديمية، وكيف يحتفى بجائزة بهذا القدر من الرفعة والأهمية، في حين أنها تحمل اسم كاتب صحافي من درجة متدنية ضمن المعايير الإعلامية؟

كيف تمكن جوزيف بوليتزر المهاجر الهنغاري، الذي دخل العمل الصحافي من خلال العمل السياسي في الحزب الجمهوري، وليس من منطلق مهني، أن يفرض على مجتمع الصحافة الأمريكية والعالمية هذه الجائزة؛ بوصفها جائزة اعتبارية وعالية التقدير؟ في حين أنه، كان من الصحافيين الذين ارتبط اسمهم بالصحافة «القذرة» الصفراء والانتهازية، التي يطلق عليها كذلك «الصحافة الزائفة»، التي استخدمها بوليتزر لمواجهة وابتزاز خصومه في عالم السياسة وعالم الصحافة، واستخدمها كذلك بانتهازية ليصعد نجمه في العمل السياسي في الحزب الديمقراطي، بعد أن كان عضوا في الحزب الجمهوري في بداية الأمر، ولكنه لم يحقق مآربه الشخصية في هذا الحزب، ولم يتمكن من العثور على أرضية خصبة ليحقق أهدافه الذاتية المالية والسياسية، فسرعان ما ترك الحزب الجمهوري بمجرد أن فشل هوراسي جريلي بأن يصبح رئيسا جديدا للحزب، وجريلي هو من أهم المحررين الصحافيين آنذاك، وهو مؤسس صحيفة «نيويورك تريبيون».

الصحافة الصفراء هي الصحافة التي تعتمد في أساس عملها على خرق الخصوصيات والابتزاز، والبحث عن القصص الوضيعة والفضائحية في حياة الناس والشخصيات العامة، لضمان بيع أعداد عالية من الصحيفة ورفع قيمة الإعلانات، لتحقيق أهداف مالية وسياسية واجتماعية. الاعتماد على العناوين البراقة، والمواضيع التي لا ترتكز على الحقائق كمصدر أساسي للخبر، ناهيك عن البحث عن خبايا حياة الآخرين، والإساءة لهم من خلال استخدام الرسوم الكرتونية والكتابة الوضيعة والمبالغ فيها، وإبراز القصص الجنسية والجرائم والتلميحات المسيئة، التي تجذب فضول القراء ونهمهم من خلال غرائزهم، وليس لاهتمامهم بالأخبار ومتابعة الشأن العام، هي أبشع أنواع العمل الصحافي، وهو العمل الذي مارسه جوزيف بوليتزر بشكل معمق وغير أخلاقي من خلال صحيفته «سانت لويس بوست ديسباتش» وهي عبارة عن صحيفتين قام بدمجهما عام 1878، ولاحقا «نيويورك وورلد» التي قام بامتلاكها عام 1883، التي حقق من خلالهما ثروة طائلة، خصوصا من تزييفه للأخبار والتقارير التي غذت وأججت التوتر الإسباني – الأمريكي، ومن ثم تحول الأمر لحرب بينهما، حيث قام بوليتزر بتأجيج المشاعر، من خلال تقارير زائفة حول اعتداءات إسبانية في مستعمرة كوبا، التي تمكن من خلالها تشكيل الرأي العام، والضغط على حكومة الولايات المتحدة، والدفع باتجاه إعلان الحرب على إسبانيا في عدة مستعمرات لها في عام 1898.

لم يكن بوليتزر وحده من قام بفبركة التقارير والأخبار آنذاك للدفع باتجاه الحرب ولرفع أعداد البيع والإعلانات، ولكنه كان كبيرهم الذي علمهم السحر، وعلى الرغم من ذلك، أراد أن يكون الوحيد في ساحة النشر وأن يهيمن على دوائر التوزيع، فقام برفع وتيرة حربه الإعلامية الصفراء على خصومه في النشر، الذين تعلموا منه الصحافة الصفراء الانتهازية منذ عام 1878، مثل وليام هيرست، ناشر «نيويورك جورنال».

غلَّف بوليتزر صحافته الصفراء والانتهازية هذه ببعض الحملات التي قام بها، والتي بدت شجاعة ونقية، حين هاجم بعض الشركات الكبيرة والفساد فيها، والتي تبين لاحقا بأنه كان يهدف من هذه الحملات أن تقوم هذه الشركات بائتمان جانبه من خلال الإعلان في صحيفيته، ناهيك عن حملة بوليتزر النبيلة للإبقاء على تمثال الحرية في نيويورك، ولكن هدفه كان أن يجد لنفسه مكانة وسطوة في الحزب الديمقراطي، وليس دفاعا عن قيم الحرية المُدَّعاة، والتي يرمز لها هذا التمثال.

لم يكن بوليتزر قبل امتلاكه لصحيفتي «نيويورك وورلد» و»سانت لويس بوست ديسباتش» يُعتبر من الصحافيين المميزين، حيث كان يعمل في صحيفة «ويست ليتشي» المكتوبة بالألمانية وتمثل الحزب الجمهوري، كان بوليتزر كاتب تقارير صحافية عاديا، على الرغم من نشاطه وساعات العمل الطويلة. قام بشراء أسهم في هذه الصحيفة للحزب الجمهوري، وما أن ترك الحزب حتى قام ببيع حصته فيها محققا أرباحا كبيرة، وشراء صحف أخرى كانت تعاني ماليا، ولكنه سرعان ما نهض بها من خلال أسلوبه الإعلامي الفضائحي. كان يمتلك عقلية تاجر أكثر مما هي عقلية صحافي وكاتب، وكان انتهازيا سياسيا وتجاريا، وكانت له سمعة سيئة، كما أسلفت، بسبب ممارساته الصحافية وارتباط اسمه كمؤسس للصحافة الصفراء الفضائحية، وتلفيق القصص والتقارير، ما أدى برئيس جامعة كولومبيا عام 1892، سيث لو، الذي كان معروفا بإدارته الصارمة والنزيهة للجامعة، رفض مليوني دولار عرضها بوليتزر على الجامعة كمنحة منه لتأسيس أول كلية صحافة في العالم، يحمل مبناها اسم بوليتزر، ولتأسيس جائزة تحمل اسمه تمنح سنويا للإنجازات الصحافية والأدبية والفنية. وكان سيث لو، قد برر رفض هذا المبلغ الطائل في بعض ملاحظاته الخاصة قائلا «لست منبهرا بالسمعة السيئة التي له، وانعدام المبادئ في عمله الصحافي»، ولكن بوليتزر بقي مصرا على الأمر، ودون المنحة في وصيته، التي قبلها رئيس الجامعة الذي جاء بعد سيث.

لم يكن تأسيس هذه الجائزة من قبل المجتمع الأكاديمي في جامعة كولومبيا قد جاء لتكريم بوليتزر ومنجزاته الصحافية وبمبادرة منهم، بل تمت ببساطة لأن بوليتزر نفسه مَوَّلها ودفع تكاليفها بمبلغ المليوني دولار، التي تبرع بها للجامعة، والتي تساوي ما يقارب الخمسين مليون دولار في وقتنا الحالي، والتي جمعها من صحافته الصفراء، وعلى حساب حياة الآخرين ودماء الضحايا في الحرب التي ساهم في تأجيجها وإشعالها، من خلال تقاريره الزائفة، ومن خلال أخباره المفبركة، ناهيك عن سنوات من الصحافة القذرة وهتك خصوصيات الآخرين لتحقيق أهدافه المالية والسياسية.

وللمفارقة، يتغنى الإعلام الغربي في كل العالم، وفي الأوساط الأكاديمية بأهمية النزاهة الإعلامية وبتحري الصدق في المعلومة، ورفض التزييف والتزوير الإعلامي ومحاربة الصحافة الصفراء، في حين أنهم يحتفون في كل عام بجائزة أسسها أكثر الصحافيين وضاعة وتلفيقا في تاريخ الإعلام الغربي، ومؤسس الصحافة الصفراء بلا منازع، بل يتراكض هذا الإعلام الغربي في كل عام للتقديم من أجل الحصول على جائزة البوليتزر، بوصفها الجائزة الصحافية الأهم والأرقى والأنقى في العالم، التي يتم من خلالها تقدير وتكريم المنجز الإعلامي النزيه والجاد. وهذا لا يعني مطلقا أن الصحافيين والمصورين الذين يخاطرون بحياتهم وقد حصلوا على هذه الجائزة قد ضاع تعبهم ومنجزهم، فحقيقة الجائزة لا تعني بأنهم لا يستحقون هذا التقدير، ولكنه من المفارقة أن يتم تكريم ما يقوم به المصورون والصحافيون في الحروب وفي القصص الإنسانية، بجائزة أسسها انتهازي وملفق إعلامي محترف اسمه جوزيف بوليتزر. على موقع جائزة بوليتزر، الذي يمتلئ بالقيم الإعلامية وأخلاقيات المهنة، وبضرورة تحري الدقة والمعلومة الإخبارية الدقيقة والصادقة في الكتابة الصحافية، وتحديدهم للأخلاقيات التي تجعل المتقدمين يستحقون هذه الجائزة؛ تجد صفحات مطولة عن تاريخ جوزيف بوليتزر، ولا تجد فيها حرفا واحدا يذكر حقائق تأسيسه للصحافة الصفراء وتلفيقه للقصص والأخبار وفبركة التقارير الإخبارية في صحفه، ولا يذكرون مطلقا رفض جامعة كولومبيا في بادئ الأمر لأموال بوليتزر، بل يتناولون سيرته الإعلامية وكأنه لم يقم بكل هذا، وكأنه لم تكن له سمعة سيئة في الإعلام، من حيث الأداء والانتهازية، يقدمونه وكأنه صحافي فذ ونقي أسس صحافة رصينة ونقية، وكأنه أسس جائزة للاستمرار بإرثه الصحافي العظيم والنبيل!

القدس العربي

………

محمد حنون

فوتوغرافي فلسطيني – أردني / بودابست




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *