عيون بيضاء في مكتبة مصر العامة

أقامت الجمعية المصرية للأدب المقارن، والحلقة المصرية لدراسات النوع والشعريات المقارنة بمكتبة مصر العامة بالجيزة ، ندوة نقدية لمناقشة المجموعة القصصية “عيون بيضاء” للقاص محمد عطية محمود، قامت بإدارتها الدكتورة رشا صالح أستاذ الأدب المقارن والنقد الأدبي بجامعة حلوان ، وقدَّم فيها بداية الناقد شوقي بدر يوسف دراسته التي تناولت “الرموز القابلة للتأويل في عيون بيضاء”، حيث قال : “القصة القصيرة عند القاص محمد عطية محمود تكتسي بتجربة إبداعية مستثارة فى بنائها الفنى ومضامينها، وهو يتخذ منها أسلوب حياة، وأسلوب فن، يلج من خلالها عبر بوابة الحكى والقص، إلى فضاءات هذا الفن ورحابته الواسعة، في مغامرة إبداعية يستخدم لها لغة خاصة به، وأسلوب سردي له خصائصه المرتبطة بهواجس الحلم، والطفولة، والواقع وما وراءه، كما أنه يتكأ ويحتفي دائما فى قصصه القصيرة بالتقاط اللحظات الدالة، واللحظات المليئة بالمتاهات المختلفة من خلال وظائف وآليات جمالية، ورموز قابلة للتأويل، ومشروع سردى ينشد فيه التحديث والتنويع، وتحقيق ذات إبداعية لها حضورها ومكانتها الأدبية المتميزة”.

واستعرض شوقي بدر مختارات من نصوص المجموعة، معرجا على اللغة التي كتبت بها القصص قائلا:  “لغة المجموعة تقترب فى توجهاتها من حدود الشعر فى الأجواء التعبيرية القادمة من صلب التجربة النصية عند الكاتب، فهو يختار مفراداته التعبيرية، وجملها بحساسية خاصة، توجبها نزعة تسجيل الوقائع والأحداث، واستدعاء الماضي والحاضر بأسلوب شبه واقعي، وبأبعاد شعورية تمتح من هواجس وتداعيات ما حدث وما يحدث، وتأثيره على أوجه الحياة المختلفة، وهذا ما نجده فى معظم قصص المجموعة”.

الفلسفة والوعي والتشكيلي

كما تناولت الدكتورة نجلاء أحمد فؤاد مدرس الأدب المقارن بكلية الآداب جامعة حلوان ، نصوص المجموعة من خلال ورقتها “بين الفلسفة والوعي القصصي والتشكيلي، في “عيون بيضاء”، حيث قالت: بدءًا من عنوان المجموعة “عيون بيضاء”، والذي يجعلك تقبل عليها قلقاً، متوجساً، لـنبحر طي صفحات في مجموعة مقسمة الى ثلاثة أقسام داخلية، مكونة من إحدى وعشرين قصة، تقع جميعها في ثلاث وتسعين صفحة، في رحلة خفق لاهثة، مجهدة بين لحظات مسلوبة أحيانًا، محفوفة بالمخاطر أحايين، في لجة من الإيقاعات المتلاشية في مآقي الروح، ممزوجة بخيال سردي وتنويعات لفظية متدفقة، تحرك جمود اللحظات الصلبة، مفعمة بالتنويعات والنزوح الجارف نحو ما يسمى بالعصيان الروحي إضافة إلى الروح الشعرية الغالبة على معظم قصص المجموعة دون أن تضر بالسرد.

وأضافت: “رغم التوتر الانفعالي الناتج عن حركة العيون في فضاءات اللوحة التشكيلية للمجموعة، والتي تقع في مساحة تشكيلية متحررة، إلا أنها قد بدت عفوية، ذات إيقاع بصري بعيد عن الاصطناع، هكذا جمعت بين الانفعالية والجمالية وتفاوتت بين التعبيرية والتجريدية، وقد غلبت عليها الألوان الباهتة بدلالاتها الموحية، فقد افترش الأصفر بدرجاته مساحات لا بأس بها… لمسات تعبيرية وتجريدية عن طريق التبقيع بتداخل الأبيض، لإضفاء مزيد من التكثيف للعمل الأدبي.. إضافة إلى العيون المنثورة وعلاقتها بالمسبحة فقد ارتبطا بملمح صوفي بارز، فللمسبحة عند الصوفية أهمية عظمى: كلمة مشتقة من التسبيح وهو تفعيل من السبح الذي هو المجئ والذهاب لأن لها في اليد مجيئاً وذهابا”

وتحت عنوان “جماليات القصة القصيرة وغوايتها” في المجموعة، قال الناقد عاطف الحناوي: لعلنا نتوافق مع ما قالته “فيرجينيا وولف”: إن قراءة القصص فن صعب معقد, حيث أنك يجب ألا تكون متميزا بدقة شديدة في الإدراك فحسب, بل وكذلك أن تتحلى بشجاعة عظيمة في الخيال, إن كنت تريد أن تستغل كل ما يعطيكه المؤلف – الفنان العظيم –  وذلك لأن لكل مؤلف عالمه – عالم واقعي وعالم فني –  وأسلوبه الخاص, وكما قيل: إن الأسلوب هو الرجل..

وأضاف الحناوي: “لعلنا نتفق بدرجة كبيرة أن نصوص مجموعة “عيون بيضاء ” تعد نموذجا لهذا التنوع, الذي يمزج بين فنون متعددة في نصوصه, ولا يستغرقه تيار دون تيار, حيث نجد النصوص يتجاور فيها تيار الوعي, الذي انتشر في إبداعات الستينيات, حيث التصوير والتأمل الداخلي والمونولوج, يمتزج كل ذلك مع كلاسيكية, وغرائبية, وكاتبنا لا يعتمد كثيرا على الحوار بقدر ما بعتمد على الجملة القصيرة المحملة بشجون وأنات وتفاصيل ملامح الشخصيات, أو حالتها النفسية، حبث لا يأتي الحوار إلا لماما وبجمل مقتضبة سريعة.. كما يبدو جليا سعي الكاتب لنحت لغة خاصة به, ربما تختلف بقدر ما, عن اللغة المعيارية, لذلك نراه يبدع في تركيبات لغوية جديدة, والغوص في شعرية اللغة, واللغة العربية لغة شاعرة, في تركيبها الأساسي كما يقول “العقاد”.

شعرية القص

وفي قراءتها “شعريةُ تشكيل القص” في عيون بيضاء قالت د. رشا غانم أستاذ النقد الأدبي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة :في سرد إبداعي مغاير يرصد لنا الكاتب بعين لاقطة لوحاتٍ حية من الواقع، وهي ممزوجةٌ بأدبية شفيفة في كتابتها، لتتسع لإحدى وعشرين قصة منها مسكونة بالحيرة والدهشة حيث احتوت على تقنيات حداثية كطرائق الحكي، كما أنها حافلةٌ بالحدوس اللماحة التي تجتلي واقعها من زوايا وأبعاد تعطي الدليل على قوة الانسجام ،والتآلف بين الوعي المبصر، والحس الإبداعي النابض لصاحبها، كما تشي بحضور وعيٍ متعاظمٍ يعقد القصّ ويجريه على أنين البوح عبر خيوط دقيقة واصلة بين أطياف الذاكرة وهذيان اللحظة ..

وأضافت د. غانم: “نحن في تلك المجموعة القصصية أمام عالم مسكون بالتنوع والتجاور، والنظر المختلف للواقع والأشياء، وهو العالم الذي ينحاز إلى السرد السلس، وتداعي المعاني، والانتقالات الذكية؛ فاللغة عند الكاتب وسيلة للإيحاء، والدقة الفائقة في الوصف، وليست أداة لنقل معان محددة حيث ينهض الوصف أيضا بمنح دلالات خاصة تنسحب على تيار الحكى العام كاشفا عن العلاقة التفاعلية بين المكان الموصوف، والكتلة السردية، فنجد في قصص المجموعة بدا الشارع حيزا مكانيا لمشاهد مختلفة فيها مما أعطى حركية واضحة وانثيالا مكانيا توازى مع الانثيالات السردية ،والسير بالرحلة السردية إلى داخل الذات ودهاليزها الغامضة..

وعن تجربته مع كتابة القصة القصيرة، أكد القاص محمد عطية على ضرورة التمسك بالموهبة والاشتغال عليها، ومشيرا إلى أهمية تنمية المشروع الأدبي الإبداعي المتكامل للكاتب الذي يريد الحفاظ على تلك الروح الممتدة في كل أعماله التي تميزها وتجعل لها مذاقا مختلفا وخطا جديرا بالملاحظة والدرس والبحث، حتى لا تكون مجرد إصدارات كجزر منعزلة، وحتى تكون له بصمة مغايرة يشار إليه بها، وتوسيع دائرة معارفه وخبراته في الحياة وفي الكتابة معا، مما يشكل وعيه الحقيقي القادر على الاستمرار والتجدد وتجاوز ذاته إلى الأفضل.

القاهرة : أحمد مروان

العرب

 

 

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *