“العرب أوروبا المشترك” .. ينطلق من شجرة حياة حضارة بلاد الرافدين

 

انطلق معرض “العرب أوروبا المشترك” وهو معرض شارك في تنظيمه المجلس الدولي للمتاحف ومكتبة الاسكندرية، من “شجرة الحياة” وهي من حضارة بلاد الرافدين حيث تم إختيارها كعنصر زخرفي مشترك بين العرب وأوروبا، لتتوالى لوحاته بعد ذلك مستهدفة هذا المشترك عبر العصور بين العرب وأوروبا، هذا المشترك الذي بدأ منذ عصور مبكرة عندما اتخذ الفن الهلينستي من شجرة الحياة رمزا قويا يعبر عنها، وهنا قدمها المعرض نموذجا حيث تعود جذورها إلى الفن الشرقي العربي.

تؤكد لوحات المعرض الذي افتتحه د. مصطفى الفقي مدير مكتبة الاسكندرية ولويس رابوزو رئيس المنظمة الأوروبية للمتاحف والشرق ديجمالى أمين المنظمة العربية للمتاحف أن انتشار الإغريق في مصر سبق دخول الإسكندر الأكبر، فالإغريق توافدوا على مصر منذ وقت مبكر من الحضارة المصرية القديمة، لذا لم يكن الإسكندر في بيئة غريبة كليا عنه عندما دخل مصر، بالإضافة إلى استخدام اللغة اليونانية لغة للإدارة في مصر وللعلم في مكتبة الإسكندرية القديمة، ومن ذلك بردية تقدم معلومات عن مقتنيات المكتبة القديمة، وكان للغة اليونانية أيضا الفضل في التوصل إلى فك شفرة لغة قدماء المصريين لوجودها ضمن نص حجر رشيد.

 

عناصر زخرفية

ويكشف المعرض عن أن الفن الإسلامي قام في كثير من رؤاه وأفكاره على أسس من الفنون التي كانت سائدة في البلاد التي فتحها العرب والتي أصبحت تكون جزءًا من الدولة الإسلامية وهي: الفن الساساني، والبيزنطي، والروماني، والفن الهندي، وفنون الصين، وآسيا الوسطى. علما بأن الفن الإسلامي لم يأخذ كل ما صادفه في فنون الحضارات من موضوعات وعناصره، بل وقف منها موقف الفاحص الناقد، لذلك فإننا نجد الفنان المسلم قد أمضى فترة طويلة في عملية استيعاب، واختيار، ومزج، فقد جمع العناصر الزخرفية من فنون البلاد التي خضعت للإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف، والتي امتدت من الهند شرقًا إلى شمال إفريقيا وبلاد الأندلس غربًا ثم اختار ما لا يتعارض مع أحكام الدين ثم مزج ما يلائم منها ذوقه العربي.

ومن الموضوعات الزخرفية المهمة التي تماشت مع طبيعة الدين الإسلامي والتي لاءمت الذوق العربي العناصر النباتية، ومن أهمها “شجرة الحياة” التي كانت عنصرًا زخرفيًا مهمًا منذ أقدم الحضارات، فقد استعملت موضوعًا أساسيًا في توضيح الأساطير.

ويرجع أصل شجرة الحياة إلى عبادة الإله أوزوريس، حيث اعتقد المصريون القدماء أن الإله أوزوريس هو روح الحياة الخضراء النابتة من الأرض، وكانوا يرون هذه النباتات المخضرة تروى كل عام وتتراءى لهم كأنها ماتت، ولكنها تعود إلى الحياة مرة أخرى، ومن ثم فكانوا يرون أن الإله أوزوريس هو رمز للموت ثم الحياة مرة أخرى.

أما بخصوص مباني المسلمين، فعادة ما ينظر إلى شجرة الحياة على أنها نباتات، أو أزهار، أو فاكهة تحمل في إناء أو على شكل شجرة منمقة. تم استخدام المزهرية مع النباتات والأزهار والفاكهة في الفنون الإسلامية لسببين: أولاً كانت تستخدم لقيمتها الزخرفية والزينة، وثانيًا كانت تستخدم لترمز إلى شجرة الحياة بمعنى “أشجار السماء”، مما يشير إلى مفهوم الآخرة وحسن الحظ للحياة القادمة.

ونجد أنه غالباً ما يجري التلميح إلى مفهوم شجرة الحياة الفردوسية في الفن الإسلامي هكذا هي شجرة الحياة، تدب في الفن والحياة باعثة للمشترك بين العرب وأوروبا ليستخدمها فنان قبرصي في صناعة طبق خزفي تتوسطه شجرة الحياة من التذهيب الخزفي الإسلامي والروح الأوروبية. ويضم المعرض لوحات من مخطوطات مترجمة إلى العربية كانت هي الجسر الذي جعل أوروبا تستعيد تراثها بعد ذلك من ترجمته من العربية، فضلًا عن ما ترجمته أوروبا من كتب علمية وفلسفية عربية إلى اللاتينية في بداية عصر نهضتها.

وصرح د. خالد عزب رئيس اللجنة الوطنية المصرية للمتاحف بأن متحف المتروبوليتان والمتحف البريطاني وكنيسة بردى في فلورنسا ومتحف تاريخ الفن في فيننا ومتحف فيكتوريا والبرت في لندن قدموا العديد من القطع للعرض في هذا المعرض. وتعد هذه أول بادرة تعاون بين مكتبة الاسكندرية والمتاحف الأوروبية لبناء جسور من التفاهم بين العرب وأوروبا عبر الفن، على جانب آخر قدم متحف المخطوطات بمكتبة الاسكندرية مجموعة من مقتنياته للمعرض.

وصرح د. محمد سليمان رئيس قطاع التواصل الثقافي بمكتبة الاسكندرية أن المتحف يقتنى مجموعة من المخطوطات النادرة ويضم أيضا مخطوطة كتاب “الحشائش” لديسكوريدس التي ترجمت من اللاتينية للعربية وكذلك يحتوى المتحف على مجموعة من المطبوعات التي تكشف التبادل الثقافي بين العرب وأوروبا، ومنها قاموس إيطالي عربي طبع في مطبعة بولاق والذي يعرض لأول مرة للجمهور في هذا المعرض.

 

نماذج من لوحات المعرض

لوحة ختم أشوري على الطين:

يبين الختم أحد الطقوس الدينية التي تمارس في المعبد الأشوري، ويوجد في المنتصف شجرة الحياة وعلى جانبيها كهنة المعبد ويقف خلف كل كاهن الكائنات السماوية المقدسة “الأنوناكي” في شكل نصف إنسان ونصف حيوان، وكانوا بمثابة رسل الحكمة من السماء للكهنة.

 

لوحة شجرة الحياة :

عبارة عن حشوة من الخشب بالحفر البارز، عليها زخارف مكونة من زهرية يخرج منها فرعان نباتيان سميكان، يتجه أحدهما صاعدا إلى اليسار ثم ينحني إلى اليمين، ويلتف في حركة دائرية، وينثني متجها إلى الأسفل ومنتهيا بورقة أو عنقود عنب، تظهر القطعة خصائص الفن الهلينستي، حيث نجد تفاوت مستويات امتازت بها زخارف العصر الأموي مثل شجرة الحياة. وتذكرنا هذه القطعة بزخارف الفسيفساء في قبة الصخرة في القدس، وبزخارف قصر المشتى في الأردن.

 

لوحة دينار الملك أوفا:

عملة ضربها الملك أوفا، حاكم مرسية في إنجلترا، من سنة 757 إلى 796، وهذه العملة نقلها الملك عن دينار عربي، حيث نقل الصانع التاريخ الهجري والعبارة العربية المكتوبة عليه دون معرفته المضمون، فلاشك أن الصانع لم يفقه معنى الكتابة العربية.

 

لوحة طبق خزفي من قبرص:

طبق من الخزف مصنوع في قبرص في منتصف القرن العشرين، وهو يعبر عن امتزاج العناصر الفنية في الحضارات الهلينستية والعثمانية وبلاد الرافدين، حيث نجد شجرة الحياة. بالإضافة إلى ذلك، نرى فن التذهيب العباسي والتأثيرات الأوروبية، وهو ما يعكس المشترك بين العرب وأوروبا. ومن المقرر أن يتجول المعرض في عدد من الدول العربية والاوروبية وسيبدأ أولى جولاته في إيطاليا ومن المقرر أن يستمر للجمهور مجانا في مكتبة الاسكندرية حتى العاشر من فبراير/شباط المقبل.

يذكر أنه تم طباعة كتالوج تذكاري خاص بهذا المعرض باللغتين العربية والإنجليزية وتم ترجمته للغة الإيطالية وسيتم ترجمة الكتالوج الى اللغتين الاسبانية والفرنسية تمهيدا لجولة المعرض في الدول الأوروبية. وقد رحبت عدد من الدول العربية باستضافة المعرض الذى يعد أكبر دعاية سياحية لمصر ستشهدها أوروبا في الفترة القادمة.

 

محمد الحمامصي

ميدل ايست أونلاين